الجمعة، 7 مارس، 2008

مقدمة بقلم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى

تقديم : بقلم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى
ــــــــــــــــــــــ
محمود البدوى 1908 ـ 1986

ولد فى قرية الإكراد " مركز أبنـوب بمديرية ـ محافظة ـ أسيوط " فى الرابع من ديسمبر من عام 1908 وحصل على شهادة الابتدائية من مدرسة أسـيوط ، وبعدها التحق بالمدرسة السعيدية الثانوية بالقاهرة .
ثم التحق بكلية الآداب بالجامعة المصرية إبان عمادة الدكتور طه حسين لها ، وكان يجد لذته الكبرى فى القراءة والاطلاع ليزيد من ثقافته وليوسع مداركه فاستغرقت كل وقته ، وكان يشعر بالغبطة والسرور والرضى النفسى كلما قرأ شيئا ، ويشعر بالألم لعدم وجود الفراغ ليقرأ أو ليطالع من الكتب ما يشاء ويرغب ، فأصبح لا يذهب إلى الجامعة إلا قليلاً ثم إنقطع كلية عنها . وآثر أن يثقف نفسه تثقيفا ذاتيا ، فدرس الأدب القديم والحديث ، والآداب الأجنبية بلغتها الأصلية .
ولم يرغب فى أن يكون عالة على والده فى القريه فيطعمه ويكسيه ويصرف عليه بعد أن شب وأصبح رجلاً ، ولم يكن من السهل عليه أن يتبطل ويعتمد فى معيشته على ما يرسله له والده من نقود ، وقرر أن يفعل شيئاً ، وأن يخطو خطوة عمليه ، فاتجه إلى الوظيفه كغيرة من الشبان وترك الدراسة بالجامعة .
تركها وهو فى السنة الثالثة " قسم اللغة الإنجليزية " .
ويقول :
" التحقت بكلية الآداب ولم اكمل المشوار لأننى إنتقلت إلى كلية الحياة وهى أرحـب ولاشـك من كلية الآداب ولم آسف على ذلك قط " .
والتحق محمود البدوى بتاريخ 12/ 3/1932 بالعمل بقلم حسابات الحكومة بوزارة المالية بمرتب سبعة جنيهات ونصف ، وتم تكليفه بالعمل فى مصلحة الموانى والمنائر بالسويس ، وعندما ذهب إليها لم تكن الحرب العالمية الثانية قد إشتعلت .. ولم يكن الإنجليز يعسكرون مدن القناة .. وأقام بفندق بالسويس .. وفى شارع السوق الرئيسى ، وكان يضيق بالضجيج والحركة فى الشارع وركوب القطار كل يوم ليذهب إلى مقر عمله فى بور توفيق .
وأخذ يسعى فى العثور على سكن ، ووجد غرفة مفروشه فى بور توفيق مع أسرة إيطاليه تسكن فى منزل صغير على شط القناة ، وكانت تؤجر الغرفة لتستعين بإيجارها على مواجهة الحياة ، وأقام معها فى هدوء وإطمئنان .
وولعه بالمطالعه وحبه للهدوء خففا مما كان يلاقيه من وحدة ..
وهو بذلك يشير إلى أن الاحتلال البريطانى ، ووجود الأجانب فى
مصر ، أدى إلى وجود البنسيونات والغرف المفروشة ولم تكن موجودة من قبل ، وقد ظهر أثر البنسيونات فى قصصه لأنه عاش سنين طويلة فى هذه الغرف باعتباره طالبا وحيدا فى القاهرة ، وكان لحياته فيها أثرها فى تصوير عالم المرأة فى قصصه ..
كان يصطفى زميلا له يحب رياضة المشى كما كان أديبا .. فكانا يقطعان الطريق من بور توفيق إلى السويس سيراً على الأقدام .. وفى بعض الحالات كانا يواصلان السير إلى الأربعين .
وكان أثناء التمشيه على شاطئ القنال يرى المراكب الذاهبه إلى أوربا وهى محمله بخليط غير متجانس من البشر وتطلق صفاراتها وتسير فى القناة منطلقه إلى عرض البحر ، فولدت عنده الرغبه الشديده فى أن يركبها ويجوب الآفاق ، فيجلس على شط القناة ويحلم ويمنى نفسه بأعذب الأمانى وألذ الأحلام ، والصور الذهنية تبرز وتتداعى فى ذهنه رائعه خلابه ساحرة عن جمال المدن الخارجية وروعتها وروعة ما فيها من كثرة قراءاته عنها .
كانت أوربا عام 1934 تعانى أزمة اقتصادية طاحنه ، والرخص والكساد بعمان كل مكان ، والأزمة الاقتصادية تأخذ بخناق الناس ، وبجنيهات قليله تعيش فى أوربا وتستطيع أن تأكل وجبه غذاء كامله فى أفخم المطاعم بما قيمته ثلاثين مليما .
وكثرت الاعلانات بالجرائد والمجلات المصرية والأجنبية تشجع قرائها على السفر إلى البلاد الأوربيه بجنيهات قليله ، وكان أصحاب شركات البواخر من جنسيات مختلفه التركى .... اليونانى .. المصرى .. إلخ يتنافسون على جذب المقيمين بالبلاد للسفر إلى الخارج ، وكل شركة تذكر إسم الباخرة ومميزاتها وخط سيرها ، وبعضها يظهر صورتها فى الإعلان بطريقه مشوقه وهى فى وسط الماء ، وبعضها يعلن عن السفر من الإسكندرية أو من بور سعيد ذهابا وأيابا والإقامة فى اللوكاندات المفتخرة فى البلاد التى ترسو فيها ومدد الإقامة فى كل بلد من البلدان وميعاد السفر وميعاد الوصول ، وتتراوح مدة الرحلة بين 14 يوم وحتى 42 أو تزيد .
كان البدوى فى وفرة شبابه وفتوته ، وعمره لا يتجاوز الخامسة والعشرين ، معه من المال ما يكفيه للطواف حول العالم سنه كاملة .
إستخرج جواز السفر فى 25 يوليه 1934 وحصل على إجازه من جهة عمله ، وأخذ فى المرور على السفارات وقنصليات البلاد التى إنتوى زيارتها وحصل على التأشيرات ولكن بعض هذه الدول ليس لها قنصليات فى القاهرة وقنصلياتها فى الإسكندرية ، كالقنصلية الرومانيه ، فأرجأ التأشير إلى حين ذهابه إلى الإسكندرية لركوب الباخرة .
عندما ركب الباخره ، وكانت هذه هى المرة الأولى فى حياته سمع
صفيرها يرن فى جو الميناء ويتجاوب صداه فىقلب البـحر ، ورفعت الباخرة السلم ودارت محركاتها ، وتصاعد دخانها ، وأخذت فى حركة استعراضية تبعد عن الرصيف ، فصعد إلى ظهر السفينه وإتكأ على سورها الحديدى مع الواقفين يرقب حركة المسافرين ويستقبل تحيات المودعين ، ولم يكن له مودع كغيره من ركاب السفينه .
وشعر بسرور وهو يجاوب على تحيات المودعين بمثلها وأخرج منديله الأبيض كغيره من ركاب السفينه يلوح به فى حراره والعيون تغرورق بالدمع، وإنطلقت فى عرض البحر .
لم يصبح وحيدا منذ ركب الباخره ، فاختلط بالركاب وشاهد ألوانا مختلفة من الناس من كل لون وجنس ، ووجوه كثيره وثقافات متعدده ، وتصادق مع من إرتاحت له نفسه .
ويقول فى ذكرياته عن مدينه السويس :
" أنا اكثر من عاشق لها ، إنها مهد ذكرياتى الخاصة والوحدة وسكنى فى الغرف المفروشة فى القاهرة والسويس جعلانى أعيش عن قرب مع خليط غير متجانس من الناس .. ولقد أفادتنى هذه التجارب كثيرا عندما سافرت بعد ذلك إلى الخارج وتجولت فى البلاد .
***
دخـل محمود البدوى الحيـاة الأدبية لأول مرة من خـلال نقل
الآداب الأجنبية إلى اللغة العربية ، ونشرها فى مجلة الرسالة التى كان يصدرها الأستاذ أحمد حسن الزيات منذ السنة الأولى لصدورها فى عام 1933 .
وبعد الرحلة التى قام بها إلى أوربا الشرقية فى النصف الثانى من عام 1934 ، كتب رواية قصيرة باسم "الرحيل" ونشرها فى عام 1935 .
وبعدها كتب قصصا قصيرة فى شتى مجالات الحياة ، وعالج النوازع البشرية فى الإنسان ، والأسباب الحقيقية وراء نزوعه إلى الشر ، وضرب لذلك أمثلة من شخصيات التقى بها فى جميع بقاع الأرض وصورها بخيرها وشرها ..
وقد كان يقول رحمه الله :
" أكتب من واقع الحياة ، وأبطال قصصى التقيت بهم وعشت معهم ، وأحببتهم جميعا .. ولاتوجد شخصية خرافية أو خيالية فى قصصى قط .. فما من قصــة إلا ولها أصـــل فى حياتى ، أو تعبير عن تجربة فى حياتى .. "
ومن ثم فهو لايكتب عن شىء من فراغ أبدا ، فلا بد أن تكون الشخصية صورة من شخصية التقى بها وعاش معها ، يفكر بطريقتها ، وينظر إلى واقع الحياة بنفس منظورها ، أى أنه يكتب عن شخصيات تتحرك أمامه ، ينفعل بها ويتأثر ويعطى لها ما يستطيع من خـلال هذا
الفن ، وقد يغير ويبدل ، ولكن فى أقل الحدود .
ويقول :
" أنا لا أكتب للخلود ، ولا أحلم بالخلود ، ولا أحلم بأحلام اليقظة بأننى سأخلد ، أو سيكون لى قيمة بعد الموت أو قبل الموت ، وإنما أكتب لأدفع شيئا رهيبا فى النفس ـ قد يكون هذا مرضا ـ هو شبح الخوف من شىء مجهول لا أستطيع أن أوضحه بالكلام اطلاقا ، غير أنه جعلنى كثير السفر والرحيل ، شىء نفسى ، لأننى عندما أكتب القصة أستريح تماما ، وأشعر كأن كل أعصابى ، وكل جسمى ارتاح تماما ، خصوصا إذا أحببت البطل ، أو البطلة ، وعايشتهما وأخرجتهما على الورق كما عايشتهما " .
***
والقارئ لقصص محمود البدوى يحس بأنه يركز على الشخص الواحد ليبرز جميع طباعه وليكون أسهل عند القارىء للفهم ، فهو يتغلغل داخل النفس البشرية وينفذ إلى أعماقها ، كما أنه يحرص على إضاءة الشخصية الإنسانية من داخلها وليس من ظاهرها السطحى وذلك عن طريق الاهتمام بالانفعالات النفسية وتأثير الظواهر الخارجية على الأعماق ورد كل ما يجيش فى صدر الإنسان وعقله إلى أسبابه وبواعثه الحقيقية .
والكثير من قصصه يسردها بضمير المتكلم ، وقد اتخذ هذا الطريق منذ نشر قصته " الحب الأول " فى 2/2/1938 .
***
ويلاحظ القارىء أن الحوار فى قصصه المنشورة فى هذا الكتاب واستخدامه لهذا الحوار يعد عنصرا أساسيا لأنه يكتب من الواقع ويصوره ، فإذا بتر هذا الحوار ، فكأنه يبتر جزءا حيويا من القصة ، ويتراوح الحوار بين اللهجة العامية والعربية الفصحى .
ويقول محمود البدوى :
" لقد كان الحوار فيما مضى يورد باللهجة العامية .. ولكن بعد أن وجدت أن نصف المطبوع من كتبى يوزع فى البلاد العربية ، رأيت أنه من الجحود أو الإنكار أن يقرأ نصف القراء حوارًا لا يفهمونه .
ويمكن أن يعتبر هذا الموقف من اللغة تحويرا عن الواقعية البحتة ، أو الواقعية المطلقة .
على أنى توقفت عن استعمال العامية توقفا تاما حين وجدت أيضا عددًا من المترجمين لقصصى إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية يسألوننى عن معنى كلمات فى الحوار بالعامية .
إلا أن العرب يمثلون بالطبع هدفا أهم من هدف الترجمة ".
***
وأخيرا يلاحظ القارىء أن القصص المنشورة فى هذا الكتاب قد اشتملت على أحداث وأشياء أصبحت فى ذاكرة التاريخ ، ولكنها ستظل خالدة فى قصص محمود البدوى ، وستظل سجلا حافلا لحركة المجتمع فى فترة تاريخية معينة .

ليست هناك تعليقات: