الجمعة، 17 أبريل، 2015



نشرت جميع أعمال محمود البدوى فى العنوان

الجمعة، 7 مارس، 2008

محمود البدوى ـ قصص قصيرة ـ قصص من القناة

الصفحة الأولى

مختارات
قصص من القنال


بقلم
محمود البدوى


تقديم واختيار
على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى


الناشر
مكتبة مصــر
3 شارع كامل صدقى ــ الفجالة
ت : 5908920

مقدمة بقلم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى

تقديم : بقلم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى
ــــــــــــــــــــــ
محمود البدوى 1908 ـ 1986

ولد فى قرية الإكراد " مركز أبنـوب بمديرية ـ محافظة ـ أسيوط " فى الرابع من ديسمبر من عام 1908 وحصل على شهادة الابتدائية من مدرسة أسـيوط ، وبعدها التحق بالمدرسة السعيدية الثانوية بالقاهرة .
ثم التحق بكلية الآداب بالجامعة المصرية إبان عمادة الدكتور طه حسين لها ، وكان يجد لذته الكبرى فى القراءة والاطلاع ليزيد من ثقافته وليوسع مداركه فاستغرقت كل وقته ، وكان يشعر بالغبطة والسرور والرضى النفسى كلما قرأ شيئا ، ويشعر بالألم لعدم وجود الفراغ ليقرأ أو ليطالع من الكتب ما يشاء ويرغب ، فأصبح لا يذهب إلى الجامعة إلا قليلاً ثم إنقطع كلية عنها . وآثر أن يثقف نفسه تثقيفا ذاتيا ، فدرس الأدب القديم والحديث ، والآداب الأجنبية بلغتها الأصلية .
ولم يرغب فى أن يكون عالة على والده فى القريه فيطعمه ويكسيه ويصرف عليه بعد أن شب وأصبح رجلاً ، ولم يكن من السهل عليه أن يتبطل ويعتمد فى معيشته على ما يرسله له والده من نقود ، وقرر أن يفعل شيئاً ، وأن يخطو خطوة عمليه ، فاتجه إلى الوظيفه كغيرة من الشبان وترك الدراسة بالجامعة .
تركها وهو فى السنة الثالثة " قسم اللغة الإنجليزية " .
ويقول :
" التحقت بكلية الآداب ولم اكمل المشوار لأننى إنتقلت إلى كلية الحياة وهى أرحـب ولاشـك من كلية الآداب ولم آسف على ذلك قط " .
والتحق محمود البدوى بتاريخ 12/ 3/1932 بالعمل بقلم حسابات الحكومة بوزارة المالية بمرتب سبعة جنيهات ونصف ، وتم تكليفه بالعمل فى مصلحة الموانى والمنائر بالسويس ، وعندما ذهب إليها لم تكن الحرب العالمية الثانية قد إشتعلت .. ولم يكن الإنجليز يعسكرون مدن القناة .. وأقام بفندق بالسويس .. وفى شارع السوق الرئيسى ، وكان يضيق بالضجيج والحركة فى الشارع وركوب القطار كل يوم ليذهب إلى مقر عمله فى بور توفيق .
وأخذ يسعى فى العثور على سكن ، ووجد غرفة مفروشه فى بور توفيق مع أسرة إيطاليه تسكن فى منزل صغير على شط القناة ، وكانت تؤجر الغرفة لتستعين بإيجارها على مواجهة الحياة ، وأقام معها فى هدوء وإطمئنان .
وولعه بالمطالعه وحبه للهدوء خففا مما كان يلاقيه من وحدة ..
وهو بذلك يشير إلى أن الاحتلال البريطانى ، ووجود الأجانب فى
مصر ، أدى إلى وجود البنسيونات والغرف المفروشة ولم تكن موجودة من قبل ، وقد ظهر أثر البنسيونات فى قصصه لأنه عاش سنين طويلة فى هذه الغرف باعتباره طالبا وحيدا فى القاهرة ، وكان لحياته فيها أثرها فى تصوير عالم المرأة فى قصصه ..
كان يصطفى زميلا له يحب رياضة المشى كما كان أديبا .. فكانا يقطعان الطريق من بور توفيق إلى السويس سيراً على الأقدام .. وفى بعض الحالات كانا يواصلان السير إلى الأربعين .
وكان أثناء التمشيه على شاطئ القنال يرى المراكب الذاهبه إلى أوربا وهى محمله بخليط غير متجانس من البشر وتطلق صفاراتها وتسير فى القناة منطلقه إلى عرض البحر ، فولدت عنده الرغبه الشديده فى أن يركبها ويجوب الآفاق ، فيجلس على شط القناة ويحلم ويمنى نفسه بأعذب الأمانى وألذ الأحلام ، والصور الذهنية تبرز وتتداعى فى ذهنه رائعه خلابه ساحرة عن جمال المدن الخارجية وروعتها وروعة ما فيها من كثرة قراءاته عنها .
كانت أوربا عام 1934 تعانى أزمة اقتصادية طاحنه ، والرخص والكساد بعمان كل مكان ، والأزمة الاقتصادية تأخذ بخناق الناس ، وبجنيهات قليله تعيش فى أوربا وتستطيع أن تأكل وجبه غذاء كامله فى أفخم المطاعم بما قيمته ثلاثين مليما .
وكثرت الاعلانات بالجرائد والمجلات المصرية والأجنبية تشجع قرائها على السفر إلى البلاد الأوربيه بجنيهات قليله ، وكان أصحاب شركات البواخر من جنسيات مختلفه التركى .... اليونانى .. المصرى .. إلخ يتنافسون على جذب المقيمين بالبلاد للسفر إلى الخارج ، وكل شركة تذكر إسم الباخرة ومميزاتها وخط سيرها ، وبعضها يظهر صورتها فى الإعلان بطريقه مشوقه وهى فى وسط الماء ، وبعضها يعلن عن السفر من الإسكندرية أو من بور سعيد ذهابا وأيابا والإقامة فى اللوكاندات المفتخرة فى البلاد التى ترسو فيها ومدد الإقامة فى كل بلد من البلدان وميعاد السفر وميعاد الوصول ، وتتراوح مدة الرحلة بين 14 يوم وحتى 42 أو تزيد .
كان البدوى فى وفرة شبابه وفتوته ، وعمره لا يتجاوز الخامسة والعشرين ، معه من المال ما يكفيه للطواف حول العالم سنه كاملة .
إستخرج جواز السفر فى 25 يوليه 1934 وحصل على إجازه من جهة عمله ، وأخذ فى المرور على السفارات وقنصليات البلاد التى إنتوى زيارتها وحصل على التأشيرات ولكن بعض هذه الدول ليس لها قنصليات فى القاهرة وقنصلياتها فى الإسكندرية ، كالقنصلية الرومانيه ، فأرجأ التأشير إلى حين ذهابه إلى الإسكندرية لركوب الباخرة .
عندما ركب الباخره ، وكانت هذه هى المرة الأولى فى حياته سمع
صفيرها يرن فى جو الميناء ويتجاوب صداه فىقلب البـحر ، ورفعت الباخرة السلم ودارت محركاتها ، وتصاعد دخانها ، وأخذت فى حركة استعراضية تبعد عن الرصيف ، فصعد إلى ظهر السفينه وإتكأ على سورها الحديدى مع الواقفين يرقب حركة المسافرين ويستقبل تحيات المودعين ، ولم يكن له مودع كغيره من ركاب السفينه .
وشعر بسرور وهو يجاوب على تحيات المودعين بمثلها وأخرج منديله الأبيض كغيره من ركاب السفينه يلوح به فى حراره والعيون تغرورق بالدمع، وإنطلقت فى عرض البحر .
لم يصبح وحيدا منذ ركب الباخره ، فاختلط بالركاب وشاهد ألوانا مختلفة من الناس من كل لون وجنس ، ووجوه كثيره وثقافات متعدده ، وتصادق مع من إرتاحت له نفسه .
ويقول فى ذكرياته عن مدينه السويس :
" أنا اكثر من عاشق لها ، إنها مهد ذكرياتى الخاصة والوحدة وسكنى فى الغرف المفروشة فى القاهرة والسويس جعلانى أعيش عن قرب مع خليط غير متجانس من الناس .. ولقد أفادتنى هذه التجارب كثيرا عندما سافرت بعد ذلك إلى الخارج وتجولت فى البلاد .
***
دخـل محمود البدوى الحيـاة الأدبية لأول مرة من خـلال نقل
الآداب الأجنبية إلى اللغة العربية ، ونشرها فى مجلة الرسالة التى كان يصدرها الأستاذ أحمد حسن الزيات منذ السنة الأولى لصدورها فى عام 1933 .
وبعد الرحلة التى قام بها إلى أوربا الشرقية فى النصف الثانى من عام 1934 ، كتب رواية قصيرة باسم "الرحيل" ونشرها فى عام 1935 .
وبعدها كتب قصصا قصيرة فى شتى مجالات الحياة ، وعالج النوازع البشرية فى الإنسان ، والأسباب الحقيقية وراء نزوعه إلى الشر ، وضرب لذلك أمثلة من شخصيات التقى بها فى جميع بقاع الأرض وصورها بخيرها وشرها ..
وقد كان يقول رحمه الله :
" أكتب من واقع الحياة ، وأبطال قصصى التقيت بهم وعشت معهم ، وأحببتهم جميعا .. ولاتوجد شخصية خرافية أو خيالية فى قصصى قط .. فما من قصــة إلا ولها أصـــل فى حياتى ، أو تعبير عن تجربة فى حياتى .. "
ومن ثم فهو لايكتب عن شىء من فراغ أبدا ، فلا بد أن تكون الشخصية صورة من شخصية التقى بها وعاش معها ، يفكر بطريقتها ، وينظر إلى واقع الحياة بنفس منظورها ، أى أنه يكتب عن شخصيات تتحرك أمامه ، ينفعل بها ويتأثر ويعطى لها ما يستطيع من خـلال هذا
الفن ، وقد يغير ويبدل ، ولكن فى أقل الحدود .
ويقول :
" أنا لا أكتب للخلود ، ولا أحلم بالخلود ، ولا أحلم بأحلام اليقظة بأننى سأخلد ، أو سيكون لى قيمة بعد الموت أو قبل الموت ، وإنما أكتب لأدفع شيئا رهيبا فى النفس ـ قد يكون هذا مرضا ـ هو شبح الخوف من شىء مجهول لا أستطيع أن أوضحه بالكلام اطلاقا ، غير أنه جعلنى كثير السفر والرحيل ، شىء نفسى ، لأننى عندما أكتب القصة أستريح تماما ، وأشعر كأن كل أعصابى ، وكل جسمى ارتاح تماما ، خصوصا إذا أحببت البطل ، أو البطلة ، وعايشتهما وأخرجتهما على الورق كما عايشتهما " .
***
والقارئ لقصص محمود البدوى يحس بأنه يركز على الشخص الواحد ليبرز جميع طباعه وليكون أسهل عند القارىء للفهم ، فهو يتغلغل داخل النفس البشرية وينفذ إلى أعماقها ، كما أنه يحرص على إضاءة الشخصية الإنسانية من داخلها وليس من ظاهرها السطحى وذلك عن طريق الاهتمام بالانفعالات النفسية وتأثير الظواهر الخارجية على الأعماق ورد كل ما يجيش فى صدر الإنسان وعقله إلى أسبابه وبواعثه الحقيقية .
والكثير من قصصه يسردها بضمير المتكلم ، وقد اتخذ هذا الطريق منذ نشر قصته " الحب الأول " فى 2/2/1938 .
***
ويلاحظ القارىء أن الحوار فى قصصه المنشورة فى هذا الكتاب واستخدامه لهذا الحوار يعد عنصرا أساسيا لأنه يكتب من الواقع ويصوره ، فإذا بتر هذا الحوار ، فكأنه يبتر جزءا حيويا من القصة ، ويتراوح الحوار بين اللهجة العامية والعربية الفصحى .
ويقول محمود البدوى :
" لقد كان الحوار فيما مضى يورد باللهجة العامية .. ولكن بعد أن وجدت أن نصف المطبوع من كتبى يوزع فى البلاد العربية ، رأيت أنه من الجحود أو الإنكار أن يقرأ نصف القراء حوارًا لا يفهمونه .
ويمكن أن يعتبر هذا الموقف من اللغة تحويرا عن الواقعية البحتة ، أو الواقعية المطلقة .
على أنى توقفت عن استعمال العامية توقفا تاما حين وجدت أيضا عددًا من المترجمين لقصصى إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية يسألوننى عن معنى كلمات فى الحوار بالعامية .
إلا أن العرب يمثلون بالطبع هدفا أهم من هدف الترجمة ".
***
وأخيرا يلاحظ القارىء أن القصص المنشورة فى هذا الكتاب قد اشتملت على أحداث وأشياء أصبحت فى ذاكرة التاريخ ، ولكنها ستظل خالدة فى قصص محمود البدوى ، وستظل سجلا حافلا لحركة المجتمع فى فترة تاريخية معينة .

من السويس ـ قصة الوجه الصامت

الوجه الصامت


قصة محمود البدوى


اشتغلت وأنا فى العشرين من عمرى .. وفى أول عهدى بالحياة صرافا فى مصلحة حكومية ضخمة بمدينة السويس .. وكان عملى مرهقا .. ويمزق الأعصاب .. وكنت قليل التجارب فى معترك الحياة وقليل الخبرة بطباع البشر .. وأحمل قلب إنسان ، وقد استغل بعض الموظفين هذه الصفات إلى أقصى حد .. فكانوا يقترضون من نقود الخزانة .. الجنيه .. والعشرة على أن استردها منهم فى أول الشهر ..

ومع علمى التام بخطورة هذا العمل .. وما يسببه لى من نكبات ، فإننى كنت أعاوده وأكرره ، كأنه مرض قد تأصل فى نفسى . والواقع اننى كنت لا أستطيع أن أرفض طلب موظف فقير يلجأ إلىَّ ليجد ثمن الدواء لينقذ ابنه من حمى التيفود .. ووالدته من الشلل وزوجته من حمى النفاس ..

وفى الأيام الأولى من الشهر كنت أتعرض لعذاب لايوصف .. بسبب الضغط الشديد فى العمل ونسيانى المبالغ التى اقترضوها منى وأنا مشغول بعملية الصرف .. وندر منهـم من كان يتقدم عن طواعية ويرد لى المبلغ ..

وحدث ظهر يوم وأنا أغلق الخزانة ، وكنا فى السادس والعشرين من الشهر .. أن دخل علىّ حسين أفندى .. وكان موظفا معروفا بنشاطه وخدماته للآخرين .. وهمس فى أذنى يطلب عشرين جنيها .. لمسألة تتعلق بحياة وموت زوجته .. إذ أن الطبيب سيجرى لها عملية خطيرة اليوم .. ورفض اجراءها قبل تسلم مقدم الأتعاب ..

وقد طلب من بلدته خمسين جنيها بالتلغراف .. وسيصله المبلغ غدا ويرد لى ما يأخذه فى الحال ..

ولأنقذ روح إنسان من العذاب .. ولأن حسين أفندى سبق أن اقترض بضعـة جنيهات وردها .. فقد أعطيته المبلغ وخرج وهو يهرول ..

***

وفى اليوم التالى لم يحضر المكتب .. وتصورت أنه شغل بالعملية التى أجريت لزوجته .. وجاءنى فى اليوم الذى يليه معتذرا بأن أخاه لم يرسل له المبلغ الذى طلبه بالتلغراف وأنه فى غاية الأسف لما حدث ، وعلى أى حال فقد اقتربنا من أول الشهر .. وبمجرد تسلم ماهيته سيرد لى المبلغ ..

ولما أفهمته خطورة الأمر لأنها نقود حكومة .. وسأتعرض بسببهـا للفصل والسجن .. قال باسما :
" هـذه مسألة بينى وبينك .. فمن الذى سيعرفها .. خليها على الله .. وإذا حـدث تفتيش ولا قدر الله .. سآتيك بالمبلغ بعد خمس دقائق .. اطمئن " ..

وكان لبقا وسريع الحركة .. وقال هذا وانصرف سريعا كعادته .. ولم يستغرق اطمئنانى سوى لحظات .. وبمجرد انصرافه عادت إلى رأسى الهواجس والخواطر العاصفة من جديد ..

وفى أول الشهر انتظرته حتى الساعة الثالثة بعد الظهر .. وكان يصرف من البنك .. ولكنه لم يأت .. فاستأت جدا ..

وكان من عادة الباشكاتب أن يجرد الخزانة فى اليوم الثالث أو الرابع من الشهر ، فاطمأننت أنه لن يحضر اليوم .. وأغلقت الخزانة .. وسألت ساعى المكتب عن بيت حسين أفندى فعلمت أنه فى حى الأربعين .. وقصدته مباشرة قبل أن أتناول طعام الغداء ..

***

وطرقت بابه حوالى الساعة الرابعة مساء ، وفتح لى الباب طفل .. فسألته :
ـ بابا موجود ..؟
ـ لا .. مش موجود ..
ـ ما تعرفش هو فين .. أنا عاوزه ضرورى ..
وسمعت صوت سيدة فى الداخل تقول :
ـ مين بيسأل ..؟
ـ أنا إبراهيم .. الصراف .. زميله فى المصلحة ..

وخرجت السيدة سافرة فى الحال .. وكان على صدرها رضيع .. وسألتنى بلهفة :
ـ حضرتك .. جايبله الماهية ..؟
ـ حسين أفندى يا هانم .. بيصرف من البنك .. وأنا جاى علشان مسألة بسيطة ..

وخيبت هذه الكلمات ظنها .. فتغير لونها .. وضاع بريق الأمل من عينيها ..
وسهمت قليـلا .. ثم عادت وذكرتنى واقفا على الباب فقالت برقة :
ـ اتفضل استريح .. يمكن ييجى دلوقت ..

وحرك الرضيع يده على ثوبها فكشف صدرها .. فعادت تخفيه باضطراب وخدها يرف لونه فى حمرة التفاح ..

هذه هى السيدة التى حدثنى أنه أجرى لها العملية الخطيرة .. ذلك الكذاب الأشر ..
ـ وألاقيه فين دلوقت يا هانم ..؟
ـ والله مش عارفه بالضبط .. لأنه ماجاش من امبارح ..
ـ نايم بره ..؟
ـ أيوه ..
قالت هذا بصوت خافت وزمت شفتيها .. كانت تبلع ريقها بحرقة ونظرت إليها بتأمل .. ورأيت شابة فى السابعة والعشرين من عمرها بيضاء سوداء الشعر .. وعلى وجهها النضير الأسى .. وفى عينيها القلق الذى يحول سواد العين إلى زئبق .. وكان ثوبها سامريا .. يخفى كل تقاطيع جسمها .. وكان الباب نصف موارب ..
فعادت تقول بصوت خافت :
ـ اتفضل ..
ـ متشكر .. أنا أصلى مستعجل ..

ورأيت ألا أحرجها بكثرة الأسئلة .. ولكننى وجهت هذا السؤال الأخير قبل أن أنصرف :
ـ هو سافر ..؟
ـ أبدا هو فى السوبس .. سهران مع أصحابه ..

واحمر وجهها .. وتعلق بثوبها طفل صغير فى هذه اللحظة غير الطفل الذى فتح لى الباب .. ورفع رأسه إليها .. وأخذ يردد :
ـ جعان يا ماما ..
ـ حاضر يا حبيبى ..

وكانت تسكته برقة .. ثم خفت صوتها .. وتحركت الدموع فى مآقيها .. وكأنما لسعت بالسياط فأسرعت وهبطت درجات السلم ..

***

وكنت أقيم فى لوكاندة أبولو .. بشارع السكة الجديدة .. وكان مخالى صاحبها عجوزا يونانيا .. طيب القلب .. وكانت أسرته تقيم معه فى نفس الفنـدق .. وتقـوم بأعمال الطهى واعداد الطعام وكى المفارش .. والملايات .. وكان الفندق مع نظافته قليل النزلاء . ولذلك كان مخالى يشتغل فى عملية أخرى مربحة .. كان يستورد صنفا ممتازا من الشاى .. ويوزعه على نطاق محدود ..

وكان بطبعه ثرثارا كأبناء جنسه .. وكان يحدثنى دائما عن أمجاد الأغريق القدماء وكنت أضيق بثرثرته وزهوه .. ولكننى أعجب به لأنه لم ينس موطنه الأصلى مع أنه تركه من سنين طويلة وظل يتفاخر به مع انقطاع كل صلاته ..

وكانت تقيم معى فى نفس الجناح بالفندق راقصة متوسطة العمر تدعى درية .. وكانت تشتغل فى ملهى " النجوم " على طريق الزيتية .. وكانت ناضجة الأنوثة وحلوة .. وتحرص على ألا يزورها أحد فى الفندق على الاطلاق .. وكانت تقضى معظم النهار .. فى غرفتها .. وفى العصر تخرج إلى الشرفة .. أو تجلس فى البهو الداخلى تتحدث مع أسرة مخالى ..

وكانت تنظر إلىَّ دائما نظرة مودة .. وأرى فى عينيها الرغبة فى أن تكون على صلة بى .. ولكننى كنت أقطع هذه الرغبة بحد السكين .. لأننى كنت فى الواقع أقدر مدى ما تسببه لى العلاقة بامرأة من هذا الطراز من اضطراب .. وكنت أحرص على أن أظل فى عزلتى وتقشفى لغرض واحد .. غرض نبيل وسام .. وكان أسمى عندى من كل شىء فى الوجود .. فقد كنت أعول والدتى وأخوتى الصغار فى القاهرة وأرسل لهم كل شهر أربعة جنيهات من مرتبى وأبقى الستة جنيهات لطعامى وشرابى وسكنى .. فهل تكفى الجنيهات الستة لأن أتعلق براقصة ..

ولكننى أحسست عندما شاهدتها هذا المساء فى شرفة الفندق بعد عودتى من منزل حسين أفندى .. برغبة شديدة فى محادثتها وأن أقص عليها ما جرى لى وأن أسمع صوتها ..
وكنت لا أستطيع تعليل ذلك ولا أعرف له سببا ..

وكان القلق يعذبنى .. ويسوءنى أن يكتشف العجز وأنا فى أول عهدى بالوظيفة والباشكاتب ورئيس المصلحة ينظران إلىَّ كشاب نادر المثال فى عمله وأمانته ..

ولم أمكث طويلا فى حجرتى بالفندق .. وجدت الغضب يدفعنى لأن أرتدى بدلتى مرة أخـرى .. وأخرج لأبحث عن الرجل الذى خدعنى .. أبحث عنه فى المقاهى التى فى المدينة وكنت فى كل خطوة ازداد سخطا عليه وأود لو أخنقه ..

وكانت صورة بيته وزوجته وأولاده .. والحالة التعيسة التى وجدتهم عليها تطوف فى رأسى .. فتزيدنى سخطا عليه ..

***

وحتى الساعة التاسعة ليلا لم أكن قد عثرت عليه فى أى مكان فى المدينة تصورت أنه يقصده ..

وأخيرا اتجهت إلى بيته مرة أخرى .. إذ لم يكن عندى من الصبر ما يجعلنى انتظر إلى الصباح ..

وكان الشـارع كئيبا وخافت الضوء وبيته أشد كآبة مما رأيته بالنهار ..

وسمعت وأنا أصعد السلالم إلى شقته .. صوت شجار بالداخل .. ثم تبينت صوته بوضوح .. فشعرت بالاطمئنان ، فقد كنت كمن فقد شيئا فى قاع المحيط .. ثم عثر عليه بعد عذاب وجهد ..
ولما قرعت الباب انقطع صوت الشجار ..

وخرجت لى زوجته بنفس ثوبها الذى رأيته عليها من قبل وطالعنى وجهها الصامت .. وكانت قد مسحت عبراتها ، ولكن ظلت العينـان نديتين .. وانسانهما مسترخيا ومستسلما لحكم القدر ..

ولاح شبح ابتسامة وقالت بصوت ناعم دون أن أسألها :
ـ أيوه موجود .. دقيقة واحدة ..

وخرج لى حسين أفندى بعد لحظات ، ولما وقع بصره علىَّ امتقع لونه .. وظهر أثر الاضطراب على وجهـه .. ثم غالب نفسه ليبدو طبيعيا .. ودعانى للدخول .. وجلسنا فى حجرة صغيرة وكان بها كراسى من الجوت الممزق والغرفة كلها توحى بالكآبة .. وأخذ يحيينى بعد كل دقيقتين ..

وطالبته بالعشرين جنيها .. فقال لى أنه سيحملها إلىّ فى الصباح ..

فقلت له " اننى شبعت من الوعود الكاذبة .. ولن أخرج من بيته إلا والمبلغ فى جيبى .. وليس هناك من سبب يجعلنى أضحى وأعرض نفسى للسجن بسببه "..

فصمت طويلا .. ثم وجدته ينفجر باكيا مرة واحدة ، وقال لى أنه أضاع المبلغ مع ماهيته فى القمار ..

ولما سمعـت لفظة القمار انتفضت .. فلم أكن أتصور أنه يقامر أبدا .. ولم يحدثنى أحد من زملائه عن ذلك .. وكنت أفضل أن يقول لى أن المبلغ ضاع منه ، أو أنه صرفه على أى وجه من الوجـوه .. أما أن يقامر بفلوس الحكومة فهو شىء لا أغفره له ..

وقلت له بصوت جهورى وأنا فى شدة الغيظ :
ـ أريد المبلغ فى الحال ..
ـ ومن أين أجىء به ..؟
ـ ليس هذا شغلى .. تصرف ..
وتطور الكلام إلى عراك .. وأمسكت بتلابيبه وأنا فى بيته .. وكنت أقوى منه عشر مرات ..

وفى هذه اللحظة رأيت زوجته فى الصالة بوجهها الصامت المعبر عن كل ضروب الأسى .. ودخل علينا ابنه الصغير .. ولا شك أن أمه هى التى دفعته إلينا فى هذه اللحظة ، فخجلت وتركت عنق والده المقامر ..

ورأى حسين أفندى أن يخفف حدة الأمر ، فكتب لى شيكا على البنك الأهلى ، ولما ذهبت إلى البنك لم أجد له رصيدا ..

وكان فى يدى مستندا يزج به فى السجن .. وكلما فكرت فى أن أتقدم بالشيك إلى النيابة ، كانت صورة زوجته وأولاده الصغار تعود وتحتل رأسى .. فأشعر بالشفقة عليه .. وأتراجع ..

***

وظللت أكتم الأمر كلية عن الجميع حتى أجد حلا .. ولم أجد من الموظفين من يستطيع أن يقرضنى هذا المبلغ أو حتى نصفه .. وكان أهلى
فقراء .. يعيشون عيش الكفاف ..

وكنت أرسـل جزءا من مرتبى لوالدتى واخوتى الصغـار فى القاهرة .. وبهذا المبلغ الصغير .. كانوا يعيشون فى بساطة وفقر .. ولم أكن أحب أن أجىء بهم إلى السويس .. لأننى كنت سأتحمل نفقات السكن .. وكانوا يقيمون هناك فى بيتنا الصغير ..

وكانت والدتى مدبرة فى بيتها ، ولا تحب أن تتضاعف مصاريفنا فى البلد الغريب عليها .. ونغرق فى الديون ..

وكنت أدفع للفندق فى السويس جنيهين فقط ايجارا للغرفة مع غسل وكى ملابسى .. وكنت أسعى لأن أنتقل إلى القاهرة لأعيش مع أسرتى .. لأنهم كانوا فى حاجة إلىّ ..

وكان انقطاع المبلغ الصغير الذى أرسله لهم معناه عذابهم وموتهم جوعا ..

وكنت أفكر فى هذه المسألة أكثر من أى شىء آخر وأجعل وجودى فى العمل مقرونا بحياتهم ..

وكنت قد حرمت نفسى من كل متع الحياة من أجلهم .. فلم أكن أسهر فى الملاهى مع أنها كانت رخيصة فى ذلك الحين .. وكان الذهاب إلى السينما لا يكلفنى غير بضعة قروش ، وكنت أحرم نفسى من هـذه المتعة .. لأن القروش أحق بها والدتى واخوتى ..

وكانت السينما تعرض أعظم الأفلام لأعظم ممثلين فى العـالم ..

كانت جريتا جاربو ومارلين ديتريش واميلى جانينجز .. وليون شانى .. وشارلى شابلن يهزون مشاعر الجماهير ..

ولكننى كنت أكتفى بأن أجلس ساعتين فى يوم الجمعة فى مقهى المنظر الجميل أشم نسيم البحر .. ثم أعود إلى الفندق ..

وقد جعلنى هذا لا أعرف إلا قليلا من الناس فى المدينة .. وكانت دائرة المعرفة لا تتعدى موظفى المصلحة ..

وقضيت الليل .. أفكر فى خليل أفندى وفى مدكور .. وبرعى .. كما فكرت فى الراقصة درية المقيمة معى فى نفس الفندق .. ولكننى خجلت من أن أقترض مبلغا من راقصة ..

***

وفى اليوم الثالث من الشهر دخل علىَّ الباشكاتب الخزانة قبل أن أشرب قهوة الصباح وطلب جرد الخزانة .. فتصورت حسين أفندى أخبر بعض زملائه بالمبلغ الذى أخذه وجاء الباشكاتب يضبط الجريمة ..

وأخرجت العلبة التى أضع فيها أوراق البنكنوت ووضعتها على المكتب وأنا أرتعش من الخوف ، وقلبى يضرب كالمطرقة .. وسمعت الرجل يقول وأنا أفتح العلبة :
ـ النقود تمام ..؟
ـ تمام ..
ـ لا داعى للعد .. هات كشف الجرد .. أنا مطمئن تماما ، ووقع الكشف وهو يقول :
ـ أصلى مسافر بور سعيد .. وحغيب يومين .. قلت لازم أتمم على الخزنة .. أنت يا ابنى أمين .. ومخلص فى عملك ..

ولسعتنى هـذه الكلمات وكنت أود أن ألحق به .. وأحدثه بما جرى .. ولكننى تسمرت فى مكانى .. وبعد أن تركنى .. وجدت العرق يسيل على جبينى ..

ولما جلست إلى المكتب وشربت القهوة شعرت بالراحة تعود إلىَّ وفكرت فى أن الله أراد أن ينقذنى .. وجعل الجرد على هذه الصورة .. وأن المسألة ستمر بسلام .. وفى خلال الأيام التى تسبق الثانى .. سأكون قد استطعت أن أسترد المبلغ .. وشعرت بالاطمئنان ..

ولكن حدث ما لم أكن أتوقعه أبدا .. فقد قدم أحد المفتشين من القاهرة وجرد النقود .. واكتشف العجز .. وطلب منى أن أسدده فى الحال اشفاقا على مستقبلى .. فأخرجت الثلاثة الجنيهات الباقية فى جيبى من مرتبى بعد سداد ايجار الغرفة .. وعجزت عن الباقى ..

واتهمت بالاختلاس وأحـلت إلى النيابة .. فأمرت بالقبض علىّ ..

وسرت اشاعة بين الموظفين .. بأن الراقصة التى تقيم معى فى الفندق هى معشوقتى وأننى صرفت عليها المبلغ ..

ومن الغريب أن الموظفين الذين كنت أقرضهم وأساعدهم هم الذين كانوا يشيعون هذا الكلام ويروجونه بكل الوسائل .. وانطلقت حولى الألسنة ترمينى بالباطل .. بأنى سكير .. وزير نساء .. ومقامر .. انطلقت الألسنة مرة واحدة ..

ولم يذكرنى أحد من الموظفين بالخير .. وكان السعاة والفراشون هم الذين يشفقون على حالى .. ويزوروننى فى السجن ويحملون إلىّ الطعام على نفقتهم ..

وبقيت فى السجن أربعة أيام ، وفى اليوم الخامس خرجت .. وعلمت أن خليل ساعى المكتب دفع المبلغ للنيابة وادعى أنه عثر عليه فى حجرة الخزانة ليحاول انقاذى ..

واكتفت المصلحة بفصلى من العمل وحفظ التحقيق الجنائى ..

***

ولم أكن أحب أن أعود لوالدتى لأنى سأقتلها من الحزن ..

وعدت إلى الفندق بعد غياب خمسة أيام .. وأنا شاعر بالتعاسة وأتصـور أن عيون الناس تمزقنى فى كل خطوة ، وقد كانت المدينة صغيرة ، وعملى يجعلنى معروفا للجميع ، وحـادث القبـض علىّ قد انتشر فى المدينة ..
واحتبست فى غرفتى وكنت فى حالة اعياء وجوع ..

ثم شعرت بالمرض .. واشتدت علىّ العلة .. فلم استطع التحرك من الفراش يومين كاملين ، وفتحت عينى ذات ليلة فوجدت درية بجانب فراشى .. تنظر إلىّ بعطف .. والظاهر أنها سمعت الخبر ..

وأخذت تمرضنى حتى شفيت .. وأصبحت أستطيع أن أتحرك ..

وأدركت بعد خروجى من الحبس قيمة الحرية بالنسبة للإنسان ، فهو الذى يشوه حياته بيديه ويجعل حوله القضبان ، ومهما يكن الغرض الذى من أجله أعطيت للرجل هذا المبلغ .. فقد أخطأت .. وأنا أستحق هذا العقاب ..

ولقد أكسبنى هذا الحادث تجربة هزتنى .. وخرجت منه وأنا أحس بأننى أشد فهما للحياة وأكثر جسارة ..

وقالت لى درية ذات ليلة ونحن فى الشرفة :
ـ أنا عازماك الليلة .. على أكلة جمبرى سويسى ..
ـ بمناسبة ايه ..؟
ـ شفاك ..
وأكلنا أكلة شهية ..

وفى آخر الليل أحسست بحاجتى لأن أنام فى حضنها .. كنت فى حاجة إلى الحنان .. وإلى انسان يفهمنى ويرد إلىّ روحى .. ووضعت شفتى لأول مرة فى حياتى على فم أنثى ..

***

وانقضت أيام .. ولم يكن معى نقود على الاطلاق .. ولم أفكر فى أن أقترض شيئا من الخواجه مخالى ، أو أذهب إلى أحد ممن أعرفهم ..

وكانت درية تحاول أن تقدم لى أية مساعدة ولكنها تخشى أن تجرح احساسى وأنا فى محنتى فينقلب العطف إلى النقيض .. واكتفيت بأن أتناول وجبة الغداء فقط فى المطعم الذى كنت آكل فيه ، وكان صاحبه على ما يبدو لا يعرف ما حل بى .. أو يعرف ويتجاهل ، فإنه كان أمينا فى عمله ويحرص على الزبائن .. وكنت أفكر فى والدتى وأخوتى هناك فى القـاهرة عندما يحل الشهر الجديد ولا يصلهم المبلغ الذى به يعيشون ..

وعضنى الجوع فأخذ ذهنى يشتغل وكنت أشاهد من نافذة غرفتى شابا مقطوع الرجلين يزحف على الرصيف معتمدا على يديه فى بطء واصرار .. ويبيع للمارة أوراق اليانصيب .. وما أقل المشترين منه ، ولكنه كان يظل طول اليوم يكافح ويلف ويدور .. فهل يعمل هذا الكسيح وأظل أنا قابعا فى مكانى ..

واقترب موسم الحج ، ولاحظت أن الفندق مع رخصه ونظافته قليل النزلاء .. فتحدثت مع صاحبه .. وأخذنا نفكر معا فى سبب هذا الركود .. ثم رأينا أن بعده عن محطة السكة الحديد وعن الأنظار هو السبب الجوهرى .. وأشرت عليه بأن يطبع اعلانات صغيرة عن مكان الفندق وأسعار الغرف فيه .. ويوزعها على القادمين إلى المدينة فى القطارات والسيارات ..

ونجحت الفكرة .. وتدفق على الفندق النزلاء .. حتى ضاقت بهم الحجرات .. وأصبح مخالى يضع الأسرة فى الطرقات والممرات .. ولم يكن عنده كاتب فى الفندق لأنه لم يكن فى حاجة إليه .. فلما كثر النزلاء .. استعان بى لأقيدهم فى الدفتر وأحصل أجورهم .. وعرض علىّ ستة جنيهات فى الشهر نظير هذا العمل .. فقبلتها .. لأننى كنت أود أن أتعلق بأى شىء يسد رمق أسرتى .. وكان يوم الثلاثاء هو يوم أجازتى من العمل فى الفندق ، وكنت أذهب فى هذا اليوم إلى الجمرك لأنجز بعض أعمال الخواجه مخالى الخاصة باستيراد الشاى ..

وقد اكتسبت من ترددى على الجمرك خبرة تامة بالتجارة وأعمال التخليص والشحن فى الميناء ، ولاحظت أن التجار يعانون مشقة بالغة فى اخراج البضائع من الجمارك .. وفكرت فى مساعدتهم كلما سمح لى الفراغ لأوسع رزقى .. واستطعت فى مدى شهور قليلة أن أحصل على مبلغ يوازى مرتبى فى الحكومة .. وأن أرسل لوالدتى المبلغ الذى كنت أرسله .. ولكننى لم أستطع أن أسدد دين خليل ساعى المكتب .. ورأيت أن أذهب لبيت حسين أفندى ومعى الشيك .. لعله يخجل ويعطينى المبلغ أو جزءا منه ..

ولما وقفت على الباب .. سمعت صوت ماكينة حياكة فى الداخل .. وطلعت لى زوجته وفى يدها قطعة من القماش .. وكان وجهها أكثر صمتا من قبل .. ولكنه كان ظاهرا عليه التعب بوضوح ، وأثر الجوع فى العينين الذابلتين .. وفهمت من الكآبة الصامتة التى طالعتنى من البيت ما وصـل إليـه حالها .. وأنها أصبحت حائكة ثياب لتطعم أطفالها .. وأن حسين أفندى لم يعد يرجى منه شىء على الاطلاق .. ومزقت الشيك وأنا نازل على السلم ..

***

واتجهت إلى العمل بكل قوتى .. وكان هناك حافز يحركنى .. وازداد نشاطى وسددت دينى .. ورأيت أن أستقل بعملى .. وأن أتاجر فى الشاى وأبدأ بداية صغيرة ..

وفى خلال عشر سنوات كونت ثروة .. وأصبحت من أشهر تجار الشاى .. فى السويس ..

وقد علمنى الحادث الأول الحـذر والحيطة من الناس والتسامح .. كما عرفت قيمة الحرية فى العمل والكفاح والانتصـار على الحيـاة ..

وماتت والدتى فى خلال ذلك وتزوجـت أختى سعـاد .. كمـا تزوجت بهية وسعدت بزواجهما .. ولكننى أحسست بالفراغ ..

وكانت درية .. مسرورة بنجاحى .. وأصبحت تنتقل من ملهى إلى ملهى وتعمل يوما وتتعطل عشرة .. وكبرت .. وأحست بأن شمسها قاربت على الأفول .. وأن أصحـاب الملاهى .. لم يعودوا فى حاجة إليها .. فكان ذلك يمزق روحها ..

وكنت أغافلهـا وأضع لها أوراق البنكنوت تحت المخدة .. وتصحو .. فتجدها .. وتعرف أننى أنا الذى فعلت هذا .. وتقابلنى بعينين نديتين أبدا .. وتود أن تحرك شفتيها لتقول شيئا .. ثم تعود وتصمت .. وفى عينيها أبلغ كلام ..

***

وذات ليلة .. وكنت قد عبرت شريط السكة الحديد متجها إلى سكة الزيتية .. وجدت رجلا أعرفه .. جالسا على الرصيف .. وكان يرتدى بدلة قديمة باهتة اللون .. وقميصه متسخا .. وطربوشه بجانبه .. وكان شـعره نابتا على ذقنه وأسنانه الصفراء .. تبدو من شفتين مشققتين .. وعيناه أشد كآبة .. وكان حوله الأطفال يسخرون منه وكان يشتمهم فيبتعدون عنه .. ثم يعودون يتجمعون عليـه من جـديد وهم يضحكون ويرمونه بالنكات اللاذعة ..

وكان حسين أفندى عاجزا عن الحركة من فرط السكر ..
وحملته فى عربة إلى بيته ..

وفتحت لى زوجته الباب .. وقد أنكرتها .. فقـد تغيرت وكبرت جدا .. وذهب جمالها كله وانطفأ .. ولكن بقيت النظرة الإنسانية الدافقة فى عينيها .. النظرة المحيرة للألباب .. التى منعتنى من أن أسىء إلى زوجها .. كما أساء إلىّ .. النظرة الصامتة المعبرة التى هزتنى وعلمتنى كيف أمضى فى الحياة وأواجه الشر الذى فى قلوب البشر ..

ونقلناه فى اليوم التالى إلى المستشفى ، وكنت أود لو يموت .. لأفعل شيئا جديا لهذه السيدة المسكينة وأرعى صغارها ..
ولكنه عاش .. وظلت تجاهد ببسالة ..

وظللت أتوقع موته فى كل لحظة .. فإن هاتفا قويا كان يحدثنى من أعماقى بأن أظل بجـانب هـذه السيدة حتى أعصمها من الجوع والدنس ..


====================================
نشرت القصة بمجلة الجيل 16/11/1959 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " غرفة على السطح " 1956وفى كتاب " قصص من القنال " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006
====================================

من السويس ـ قصة الوجه الصامت

الوجه الصامت

قصة محمود البدوى


اشتغلت وأنا فى العشرين من عمرى .. وفى أول عهدى بالحياة صرافا فى مصلحة حكومية ضخمة بمدينة السويس .. وكان عملى مرهقا .. ويمزق الأعصاب .. وكنت قليل التجارب فى معترك الحياة وقليل الخبرة بطباع البشر .. وأحمل قلب إنسان ، وقد استغل بعض الموظفين هذه الصفات إلى أقصى حد .. فكانوا يقترضون من نقود الخزانة .. الجنيه .. والعشرة على أن استردها منهم فى أول الشهر ..

ومع علمى التام بخطورة هذا العمل .. وما يسببه لى من نكبات ، فإننى كنت أعاوده وأكرره ، كأنه مرض قد تأصل فى نفسى . والواقع اننى كنت لا أستطيع أن أرفض طلب موظف فقير يلجأ إلىَّ ليجد ثمن الدواء لينقذ ابنه من حمى التيفود .. ووالدته من الشلل وزوجته من حمى النفاس ..

وفى الأيام الأولى من الشهر كنت أتعرض لعذاب لايوصف .. بسبب الضغط الشديد فى العمل ونسيانى المبالغ التى اقترضوها منى وأنا مشغول بعملية الصرف .. وندر منهـم من كان يتقدم عن طواعية ويرد لى المبلغ ..

وحدث ظهر يوم وأنا أغلق الخزانة ، وكنا فى السادس والعشرين من الشهر .. أن دخل علىّ حسين أفندى .. وكان موظفا معروفا بنشاطه وخدماته للآخرين .. وهمس فى أذنى يطلب عشرين جنيها .. لمسألة تتعلق بحياة وموت زوجته .. إذ أن الطبيب سيجرى لها عملية خطيرة اليوم .. ورفض اجراءها قبل تسلم مقدم الأتعاب ..

وقد طلب من بلدته خمسين جنيها بالتلغراف .. وسيصله المبلغ غدا ويرد لى ما يأخذه فى الحال ..

ولأنقذ روح إنسان من العذاب .. ولأن حسين أفندى سبق أن اقترض بضعـة جنيهات وردها .. فقد أعطيته المبلغ وخرج وهو يهرول ..

***

وفى اليوم التالى لم يحضر المكتب .. وتصورت أنه شغل بالعملية التى أجريت لزوجته .. وجاءنى فى اليوم الذى يليه معتذرا بأن أخاه لم يرسل له المبلغ الذى طلبه بالتلغراف وأنه فى غاية الأسف لما حدث ، وعلى أى حال فقد اقتربنا من أول الشهر .. وبمجرد تسلم ماهيته سيرد لى المبلغ ..

ولما أفهمته خطورة الأمر لأنها نقود حكومة .. وسأتعرض بسببهـا للفصل والسجن .. قال باسما :
" هـذه مسألة بينى وبينك .. فمن الذى سيعرفها .. خليها على الله .. وإذا حـدث تفتيش ولا قدر الله .. سآتيك بالمبلغ بعد خمس دقائق .. اطمئن " ..

وكان لبقا وسريع الحركة .. وقال هذا وانصرف سريعا كعادته .. ولم يستغرق اطمئنانى سوى لحظات .. وبمجرد انصرافه عادت إلى رأسى الهواجس والخواطر العاصفة من جديد ..

وفى أول الشهر انتظرته حتى الساعة الثالثة بعد الظهر .. وكان يصرف من البنك .. ولكنه لم يأت .. فاستأت جدا ..

وكان من عادة الباشكاتب أن يجرد الخزانة فى اليوم الثالث أو الرابع من الشهر ، فاطمأننت أنه لن يحضر اليوم .. وأغلقت الخزانة .. وسألت ساعى المكتب عن بيت حسين أفندى فعلمت أنه فى حى الأربعين .. وقصدته مباشرة قبل أن أتناول طعام الغداء ..

***

وطرقت بابه حوالى الساعة الرابعة مساء ، وفتح لى الباب طفل .. فسألته :
ـ بابا موجود ..؟
ـ لا .. مش موجود ..
ـ ما تعرفش هو فين .. أنا عاوزه ضرورى ..
وسمعت صوت سيدة فى الداخل تقول :
ـ مين بيسأل ..؟
ـ أنا إبراهيم .. الصراف .. زميله فى المصلحة ..

وخرجت السيدة سافرة فى الحال .. وكان على صدرها رضيع .. وسألتنى بلهفة :
ـ حضرتك .. جايبله الماهية ..؟
ـ حسين أفندى يا هانم .. بيصرف من البنك .. وأنا جاى علشان مسألة بسيطة ..

وخيبت هذه الكلمات ظنها .. فتغير لونها .. وضاع بريق الأمل من عينيها ..
وسهمت قليـلا .. ثم عادت وذكرتنى واقفا على الباب فقالت برقة :
ـ اتفضل استريح .. يمكن ييجى دلوقت ..

وحرك الرضيع يده على ثوبها فكشف صدرها .. فعادت تخفيه باضطراب وخدها يرف لونه فى حمرة التفاح ..

هذه هى السيدة التى حدثنى أنه أجرى لها العملية الخطيرة .. ذلك الكذاب الأشر ..
ـ وألاقيه فين دلوقت يا هانم ..؟
ـ والله مش عارفه بالضبط .. لأنه ماجاش من امبارح ..
ـ نايم بره ..؟
ـ أيوه ..
قالت هذا بصوت خافت وزمت شفتيها .. كانت تبلع ريقها بحرقة ونظرت إليها بتأمل .. ورأيت شابة فى السابعة والعشرين من عمرها بيضاء سوداء الشعر .. وعلى وجهها النضير الأسى .. وفى عينيها القلق الذى يحول سواد العين إلى زئبق .. وكان ثوبها سامريا .. يخفى كل تقاطيع جسمها .. وكان الباب نصف موارب ..
فعادت تقول بصوت خافت :
ـ اتفضل ..
ـ متشكر .. أنا أصلى مستعجل ..

ورأيت ألا أحرجها بكثرة الأسئلة .. ولكننى وجهت هذا السؤال الأخير قبل أن أنصرف :
ـ هو سافر ..؟
ـ أبدا هو فى السوبس .. سهران مع أصحابه ..

واحمر وجهها .. وتعلق بثوبها طفل صغير فى هذه اللحظة غير الطفل الذى فتح لى الباب .. ورفع رأسه إليها .. وأخذ يردد :
ـ جعان يا ماما ..
ـ حاضر يا حبيبى ..

وكانت تسكته برقة .. ثم خفت صوتها .. وتحركت الدموع فى مآقيها .. وكأنما لسعت بالسياط فأسرعت وهبطت درجات السلم ..

***

وكنت أقيم فى لوكاندة أبولو .. بشارع السكة الجديدة .. وكان مخالى صاحبها عجوزا يونانيا .. طيب القلب .. وكانت أسرته تقيم معه فى نفس الفنـدق .. وتقـوم بأعمال الطهى واعداد الطعام وكى المفارش .. والملايات .. وكان الفندق مع نظافته قليل النزلاء . ولذلك كان مخالى يشتغل فى عملية أخرى مربحة .. كان يستورد صنفا ممتازا من الشاى .. ويوزعه على نطاق محدود ..

وكان بطبعه ثرثارا كأبناء جنسه .. وكان يحدثنى دائما عن أمجاد الأغريق القدماء وكنت أضيق بثرثرته وزهوه .. ولكننى أعجب به لأنه لم ينس موطنه الأصلى مع أنه تركه من سنين طويلة وظل يتفاخر به مع انقطاع كل صلاته ..

وكانت تقيم معى فى نفس الجناح بالفندق راقصة متوسطة العمر تدعى درية .. وكانت تشتغل فى ملهى " النجوم " على طريق الزيتية .. وكانت ناضجة الأنوثة وحلوة .. وتحرص على ألا يزورها أحد فى الفندق على الاطلاق .. وكانت تقضى معظم النهار .. فى غرفتها .. وفى العصر تخرج إلى الشرفة .. أو تجلس فى البهو الداخلى تتحدث مع أسرة مخالى ..

وكانت تنظر إلىَّ دائما نظرة مودة .. وأرى فى عينيها الرغبة فى أن تكون على صلة بى .. ولكننى كنت أقطع هذه الرغبة بحد السكين .. لأننى كنت فى الواقع أقدر مدى ما تسببه لى العلاقة بامرأة من هذا الطراز من اضطراب .. وكنت أحرص على أن أظل فى عزلتى وتقشفى لغرض واحد .. غرض نبيل وسام .. وكان أسمى عندى من كل شىء فى الوجود .. فقد كنت أعول والدتى وأخوتى الصغار فى القاهرة وأرسل لهم كل شهر أربعة جنيهات من مرتبى وأبقى الستة جنيهات لطعامى وشرابى وسكنى .. فهل تكفى الجنيهات الستة لأن أتعلق براقصة ..

ولكننى أحسست عندما شاهدتها هذا المساء فى شرفة الفندق بعد عودتى من منزل حسين أفندى .. برغبة شديدة فى محادثتها وأن أقص عليها ما جرى لى وأن أسمع صوتها ..
وكنت لا أستطيع تعليل ذلك ولا أعرف له سببا ..

وكان القلق يعذبنى .. ويسوءنى أن يكتشف العجز وأنا فى أول عهدى بالوظيفة والباشكاتب ورئيس المصلحة ينظران إلىَّ كشاب نادر المثال فى عمله وأمانته ..

ولم أمكث طويلا فى حجرتى بالفندق .. وجدت الغضب يدفعنى لأن أرتدى بدلتى مرة أخـرى .. وأخرج لأبحث عن الرجل الذى خدعنى .. أبحث عنه فى المقاهى التى فى المدينة وكنت فى كل خطوة ازداد سخطا عليه وأود لو أخنقه ..

وكانت صورة بيته وزوجته وأولاده .. والحالة التعيسة التى وجدتهم عليها تطوف فى رأسى .. فتزيدنى سخطا عليه ..

***

وحتى الساعة التاسعة ليلا لم أكن قد عثرت عليه فى أى مكان فى المدينة تصورت أنه يقصده ..

وأخيرا اتجهت إلى بيته مرة أخرى .. إذ لم يكن عندى من الصبر ما يجعلنى انتظر إلى الصباح ..

وكان الشـارع كئيبا وخافت الضوء وبيته أشد كآبة مما رأيته بالنهار ..

وسمعت وأنا أصعد السلالم إلى شقته .. صوت شجار بالداخل .. ثم تبينت صوته بوضوح .. فشعرت بالاطمئنان ، فقد كنت كمن فقد شيئا فى قاع المحيط .. ثم عثر عليه بعد عذاب وجهد ..
ولما قرعت الباب انقطع صوت الشجار ..

وخرجت لى زوجته بنفس ثوبها الذى رأيته عليها من قبل وطالعنى وجهها الصامت .. وكانت قد مسحت عبراتها ، ولكن ظلت العينـان نديتين .. وانسانهما مسترخيا ومستسلما لحكم القدر ..

ولاح شبح ابتسامة وقالت بصوت ناعم دون أن أسألها :
ـ أيوه موجود .. دقيقة واحدة ..

وخرج لى حسين أفندى بعد لحظات ، ولما وقع بصره علىَّ امتقع لونه .. وظهر أثر الاضطراب على وجهـه .. ثم غالب نفسه ليبدو طبيعيا .. ودعانى للدخول .. وجلسنا فى حجرة صغيرة وكان بها كراسى من الجوت الممزق والغرفة كلها توحى بالكآبة .. وأخذ يحيينى بعد كل دقيقتين ..

وطالبته بالعشرين جنيها .. فقال لى أنه سيحملها إلىّ فى الصباح ..

فقلت له " اننى شبعت من الوعود الكاذبة .. ولن أخرج من بيته إلا والمبلغ فى جيبى .. وليس هناك من سبب يجعلنى أضحى وأعرض نفسى للسجن بسببه "..

فصمت طويلا .. ثم وجدته ينفجر باكيا مرة واحدة ، وقال لى أنه أضاع المبلغ مع ماهيته فى القمار ..

ولما سمعـت لفظة القمار انتفضت .. فلم أكن أتصور أنه يقامر أبدا .. ولم يحدثنى أحد من زملائه عن ذلك .. وكنت أفضل أن يقول لى أن المبلغ ضاع منه ، أو أنه صرفه على أى وجه من الوجـوه .. أما أن يقامر بفلوس الحكومة فهو شىء لا أغفره له ..

وقلت له بصوت جهورى وأنا فى شدة الغيظ :
ـ أريد المبلغ فى الحال ..
ـ ومن أين أجىء به ..؟
ـ ليس هذا شغلى .. تصرف ..
وتطور الكلام إلى عراك .. وأمسكت بتلابيبه وأنا فى بيته .. وكنت أقوى منه عشر مرات ..

وفى هذه اللحظة رأيت زوجته فى الصالة بوجهها الصامت المعبر عن كل ضروب الأسى .. ودخل علينا ابنه الصغير .. ولا شك أن أمه هى التى دفعته إلينا فى هذه اللحظة ، فخجلت وتركت عنق والده المقامر ..

ورأى حسين أفندى أن يخفف حدة الأمر ، فكتب لى شيكا على البنك الأهلى ، ولما ذهبت إلى البنك لم أجد له رصيدا ..

وكان فى يدى مستندا يزج به فى السجن .. وكلما فكرت فى أن أتقدم بالشيك إلى النيابة ، كانت صورة زوجته وأولاده الصغار تعود وتحتل رأسى .. فأشعر بالشفقة عليه .. وأتراجع ..

***

وظللت أكتم الأمر كلية عن الجميع حتى أجد حلا .. ولم أجد من الموظفين من يستطيع أن يقرضنى هذا المبلغ أو حتى نصفه .. وكان أهلى
فقراء .. يعيشون عيش الكفاف ..

وكنت أرسـل جزءا من مرتبى لوالدتى واخوتى الصغـار فى القاهرة .. وبهذا المبلغ الصغير .. كانوا يعيشون فى بساطة وفقر .. ولم أكن أحب أن أجىء بهم إلى السويس .. لأننى كنت سأتحمل نفقات السكن .. وكانوا يقيمون هناك فى بيتنا الصغير ..

وكانت والدتى مدبرة فى بيتها ، ولا تحب أن تتضاعف مصاريفنا فى البلد الغريب عليها .. ونغرق فى الديون ..

وكنت أدفع للفندق فى السويس جنيهين فقط ايجارا للغرفة مع غسل وكى ملابسى .. وكنت أسعى لأن أنتقل إلى القاهرة لأعيش مع أسرتى .. لأنهم كانوا فى حاجة إلىّ ..

وكان انقطاع المبلغ الصغير الذى أرسله لهم معناه عذابهم وموتهم جوعا ..

وكنت أفكر فى هذه المسألة أكثر من أى شىء آخر وأجعل وجودى فى العمل مقرونا بحياتهم ..

وكنت قد حرمت نفسى من كل متع الحياة من أجلهم .. فلم أكن أسهر فى الملاهى مع أنها كانت رخيصة فى ذلك الحين .. وكان الذهاب إلى السينما لا يكلفنى غير بضعة قروش ، وكنت أحرم نفسى من هـذه المتعة .. لأن القروش أحق بها والدتى واخوتى ..

وكانت السينما تعرض أعظم الأفلام لأعظم ممثلين فى العـالم ..

كانت جريتا جاربو ومارلين ديتريش واميلى جانينجز .. وليون شانى .. وشارلى شابلن يهزون مشاعر الجماهير ..

ولكننى كنت أكتفى بأن أجلس ساعتين فى يوم الجمعة فى مقهى المنظر الجميل أشم نسيم البحر .. ثم أعود إلى الفندق ..

وقد جعلنى هذا لا أعرف إلا قليلا من الناس فى المدينة .. وكانت دائرة المعرفة لا تتعدى موظفى المصلحة ..

وقضيت الليل .. أفكر فى خليل أفندى وفى مدكور .. وبرعى .. كما فكرت فى الراقصة درية المقيمة معى فى نفس الفندق .. ولكننى خجلت من أن أقترض مبلغا من راقصة ..

***

وفى اليوم الثالث من الشهر دخل علىَّ الباشكاتب الخزانة قبل أن أشرب قهوة الصباح وطلب جرد الخزانة .. فتصورت حسين أفندى أخبر بعض زملائه بالمبلغ الذى أخذه وجاء الباشكاتب يضبط الجريمة ..

وأخرجت العلبة التى أضع فيها أوراق البنكنوت ووضعتها على المكتب وأنا أرتعش من الخوف ، وقلبى يضرب كالمطرقة .. وسمعت الرجل يقول وأنا أفتح العلبة :
ـ النقود تمام ..؟
ـ تمام ..
ـ لا داعى للعد .. هات كشف الجرد .. أنا مطمئن تماما ، ووقع الكشف وهو يقول :
ـ أصلى مسافر بور سعيد .. وحغيب يومين .. قلت لازم أتمم على الخزنة .. أنت يا ابنى أمين .. ومخلص فى عملك ..

ولسعتنى هـذه الكلمات وكنت أود أن ألحق به .. وأحدثه بما جرى .. ولكننى تسمرت فى مكانى .. وبعد أن تركنى .. وجدت العرق يسيل على جبينى ..

ولما جلست إلى المكتب وشربت القهوة شعرت بالراحة تعود إلىَّ وفكرت فى أن الله أراد أن ينقذنى .. وجعل الجرد على هذه الصورة .. وأن المسألة ستمر بسلام .. وفى خلال الأيام التى تسبق الثانى .. سأكون قد استطعت أن أسترد المبلغ .. وشعرت بالاطمئنان ..

ولكن حدث ما لم أكن أتوقعه أبدا .. فقد قدم أحد المفتشين من القاهرة وجرد النقود .. واكتشف العجز .. وطلب منى أن أسدده فى الحال اشفاقا على مستقبلى .. فأخرجت الثلاثة الجنيهات الباقية فى جيبى من مرتبى بعد سداد ايجار الغرفة .. وعجزت عن الباقى ..

واتهمت بالاختلاس وأحـلت إلى النيابة .. فأمرت بالقبض علىّ ..

وسرت اشاعة بين الموظفين .. بأن الراقصة التى تقيم معى فى الفندق هى معشوقتى وأننى صرفت عليها المبلغ ..

ومن الغريب أن الموظفين الذين كنت أقرضهم وأساعدهم هم الذين كانوا يشيعون هذا الكلام ويروجونه بكل الوسائل .. وانطلقت حولى الألسنة ترمينى بالباطل .. بأنى سكير .. وزير نساء .. ومقامر .. انطلقت الألسنة مرة واحدة ..

ولم يذكرنى أحد من الموظفين بالخير .. وكان السعاة والفراشون هم الذين يشفقون على حالى .. ويزوروننى فى السجن ويحملون إلىّ الطعام على نفقتهم ..

وبقيت فى السجن أربعة أيام ، وفى اليوم الخامس خرجت .. وعلمت أن خليل ساعى المكتب دفع المبلغ للنيابة وادعى أنه عثر عليه فى حجرة الخزانة ليحاول انقاذى ..

واكتفت المصلحة بفصلى من العمل وحفظ التحقيق الجنائى ..

***

ولم أكن أحب أن أعود لوالدتى لأنى سأقتلها من الحزن ..

وعدت إلى الفندق بعد غياب خمسة أيام .. وأنا شاعر بالتعاسة وأتصـور أن عيون الناس تمزقنى فى كل خطوة ، وقد كانت المدينة صغيرة ، وعملى يجعلنى معروفا للجميع ، وحـادث القبـض علىّ قد انتشر فى المدينة ..
واحتبست فى غرفتى وكنت فى حالة اعياء وجوع ..

ثم شعرت بالمرض .. واشتدت علىّ العلة .. فلم استطع التحرك من الفراش يومين كاملين ، وفتحت عينى ذات ليلة فوجدت درية بجانب فراشى .. تنظر إلىّ بعطف .. والظاهر أنها سمعت الخبر ..

وأخذت تمرضنى حتى شفيت .. وأصبحت أستطيع أن أتحرك ..

وأدركت بعد خروجى من الحبس قيمة الحرية بالنسبة للإنسان ، فهو الذى يشوه حياته بيديه ويجعل حوله القضبان ، ومهما يكن الغرض الذى من أجله أعطيت للرجل هذا المبلغ .. فقد أخطأت .. وأنا أستحق هذا العقاب ..

ولقد أكسبنى هذا الحادث تجربة هزتنى .. وخرجت منه وأنا أحس بأننى أشد فهما للحياة وأكثر جسارة ..

وقالت لى درية ذات ليلة ونحن فى الشرفة :
ـ أنا عازماك الليلة .. على أكلة جمبرى سويسى ..
ـ بمناسبة ايه ..؟
ـ شفاك ..
وأكلنا أكلة شهية ..

وفى آخر الليل أحسست بحاجتى لأن أنام فى حضنها .. كنت فى حاجة إلى الحنان .. وإلى انسان يفهمنى ويرد إلىّ روحى .. ووضعت شفتى لأول مرة فى حياتى على فم أنثى ..

***

وانقضت أيام .. ولم يكن معى نقود على الاطلاق .. ولم أفكر فى أن أقترض شيئا من الخواجه مخالى ، أو أذهب إلى أحد ممن أعرفهم ..

وكانت درية تحاول أن تقدم لى أية مساعدة ولكنها تخشى أن تجرح احساسى وأنا فى محنتى فينقلب العطف إلى النقيض .. واكتفيت بأن أتناول وجبة الغداء فقط فى المطعم الذى كنت آكل فيه ، وكان صاحبه على ما يبدو لا يعرف ما حل بى .. أو يعرف ويتجاهل ، فإنه كان أمينا فى عمله ويحرص على الزبائن .. وكنت أفكر فى والدتى وأخوتى هناك فى القـاهرة عندما يحل الشهر الجديد ولا يصلهم المبلغ الذى به يعيشون ..

وعضنى الجوع فأخذ ذهنى يشتغل وكنت أشاهد من نافذة غرفتى شابا مقطوع الرجلين يزحف على الرصيف معتمدا على يديه فى بطء واصرار .. ويبيع للمارة أوراق اليانصيب .. وما أقل المشترين منه ، ولكنه كان يظل طول اليوم يكافح ويلف ويدور .. فهل يعمل هذا الكسيح وأظل أنا قابعا فى مكانى ..

واقترب موسم الحج ، ولاحظت أن الفندق مع رخصه ونظافته قليل النزلاء .. فتحدثت مع صاحبه .. وأخذنا نفكر معا فى سبب هذا الركود .. ثم رأينا أن بعده عن محطة السكة الحديد وعن الأنظار هو السبب الجوهرى .. وأشرت عليه بأن يطبع اعلانات صغيرة عن مكان الفندق وأسعار الغرف فيه .. ويوزعها على القادمين إلى المدينة فى القطارات والسيارات ..

ونجحت الفكرة .. وتدفق على الفندق النزلاء .. حتى ضاقت بهم الحجرات .. وأصبح مخالى يضع الأسرة فى الطرقات والممرات .. ولم يكن عنده كاتب فى الفندق لأنه لم يكن فى حاجة إليه .. فلما كثر النزلاء .. استعان بى لأقيدهم فى الدفتر وأحصل أجورهم .. وعرض علىّ ستة جنيهات فى الشهر نظير هذا العمل .. فقبلتها .. لأننى كنت أود أن أتعلق بأى شىء يسد رمق أسرتى .. وكان يوم الثلاثاء هو يوم أجازتى من العمل فى الفندق ، وكنت أذهب فى هذا اليوم إلى الجمرك لأنجز بعض أعمال الخواجه مخالى الخاصة باستيراد الشاى ..

وقد اكتسبت من ترددى على الجمرك خبرة تامة بالتجارة وأعمال التخليص والشحن فى الميناء ، ولاحظت أن التجار يعانون مشقة بالغة فى اخراج البضائع من الجمارك .. وفكرت فى مساعدتهم كلما سمح لى الفراغ لأوسع رزقى .. واستطعت فى مدى شهور قليلة أن أحصل على مبلغ يوازى مرتبى فى الحكومة .. وأن أرسل لوالدتى المبلغ الذى كنت أرسله .. ولكننى لم أستطع أن أسدد دين خليل ساعى المكتب .. ورأيت أن أذهب لبيت حسين أفندى ومعى الشيك .. لعله يخجل ويعطينى المبلغ أو جزءا منه ..

ولما وقفت على الباب .. سمعت صوت ماكينة حياكة فى الداخل .. وطلعت لى زوجته وفى يدها قطعة من القماش .. وكان وجهها أكثر صمتا من قبل .. ولكنه كان ظاهرا عليه التعب بوضوح ، وأثر الجوع فى العينين الذابلتين .. وفهمت من الكآبة الصامتة التى طالعتنى من البيت ما وصـل إليـه حالها .. وأنها أصبحت حائكة ثياب لتطعم أطفالها .. وأن حسين أفندى لم يعد يرجى منه شىء على الاطلاق .. ومزقت الشيك وأنا نازل على السلم ..

***

واتجهت إلى العمل بكل قوتى .. وكان هناك حافز يحركنى .. وازداد نشاطى وسددت دينى .. ورأيت أن أستقل بعملى .. وأن أتاجر فى الشاى وأبدأ بداية صغيرة ..

وفى خلال عشر سنوات كونت ثروة .. وأصبحت من أشهر تجار الشاى .. فى السويس ..

وقد علمنى الحادث الأول الحـذر والحيطة من الناس والتسامح .. كما عرفت قيمة الحرية فى العمل والكفاح والانتصـار على الحيـاة ..

وماتت والدتى فى خلال ذلك وتزوجـت أختى سعـاد .. كمـا تزوجت بهية وسعدت بزواجهما .. ولكننى أحسست بالفراغ ..

وكانت درية .. مسرورة بنجاحى .. وأصبحت تنتقل من ملهى إلى ملهى وتعمل يوما وتتعطل عشرة .. وكبرت .. وأحست بأن شمسها قاربت على الأفول .. وأن أصحـاب الملاهى .. لم يعودوا فى حاجة إليها .. فكان ذلك يمزق روحها ..

وكنت أغافلهـا وأضع لها أوراق البنكنوت تحت المخدة .. وتصحو .. فتجدها .. وتعرف أننى أنا الذى فعلت هذا .. وتقابلنى بعينين نديتين أبدا .. وتود أن تحرك شفتيها لتقول شيئا .. ثم تعود وتصمت .. وفى عينيها أبلغ كلام ..

***

وذات ليلة .. وكنت قد عبرت شريط السكة الحديد متجها إلى سكة الزيتية .. وجدت رجلا أعرفه .. جالسا على الرصيف .. وكان يرتدى بدلة قديمة باهتة اللون .. وقميصه متسخا .. وطربوشه بجانبه .. وكان شـعره نابتا على ذقنه وأسنانه الصفراء .. تبدو من شفتين مشققتين .. وعيناه أشد كآبة .. وكان حوله الأطفال يسخرون منه وكان يشتمهم فيبتعدون عنه .. ثم يعودون يتجمعون عليـه من جـديد وهم يضحكون ويرمونه بالنكات اللاذعة ..

وكان حسين أفندى عاجزا عن الحركة من فرط السكر ..
وحملته فى عربة إلى بيته ..

وفتحت لى زوجته الباب .. وقد أنكرتها .. فقـد تغيرت وكبرت جدا .. وذهب جمالها كله وانطفأ .. ولكن بقيت النظرة الإنسانية الدافقة فى عينيها .. النظرة المحيرة للألباب .. التى منعتنى من أن أسىء إلى زوجها .. كما أساء إلىّ .. النظرة الصامتة المعبرة التى هزتنى وعلمتنى كيف أمضى فى الحياة وأواجه الشر الذى فى قلوب البشر ..

ونقلناه فى اليوم التالى إلى المستشفى ، وكنت أود لو يموت .. لأفعل شيئا جديا لهذه السيدة المسكينة وأرعى صغارها ..
ولكنه عاش .. وظلت تجاهد ببسالة ..

وظللت أتوقع موته فى كل لحظة .. فإن هاتفا قويا كان يحدثنى من أعماقى بأن أظل بجـانب هـذه السيدة حتى أعصمها من الجوع والدنس ..


====================================
نشرت القصة بمجلة الجيل 16/11/1959 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " غرفة على السطح " 1956وفى كتاب " قصص من القنال " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006
====================================

من السوبس ـ الإعرج فى الميناء

الأعرج فى الميناء

قصة محمود البدوى

عندما ذهبت إلى السويس ، لأول مرة فى حياتى ، لم تكن الحرب العالمية الثانية قد اشتعلت .. ولم يكن الإنجليز يعسكرون فى مدن القناة ، وإنما كانت الحياة هادئة جميلة فى تلك المدينة ..

وكنت أعمل صرافا فى مصلحة كبيرة .. أصرف الأجور والمرتبات لآلاف من العمال والموظفين الذين يعملون فى الميناء ..

وكان العمال يصرفون أجورهم مرتين فى الشهر ، والموظفون مرة واحدة فى اليوم الأول من الشهر ..

وكانت هذه الأيام الثلاثة من أشق الأيام .. وكان أسوأ ما فى المسألة أننى أصرف الشيك من البنك الأهلى فى سكة الزيتية .. ثم أذهب بعد ذلك إلى المحافظة لاستبدال بعض أوراق البنكنوت بالعملة الفضية والنيكل والبرونز .. ولهذا كنت أتأخر فى الصرف إلى الساعة الرابعة بعد الظهر .. وأخرج من المكتب إلى الفندق وأنا محطم تماما ، فأتمدد على الكنبة إلى الغروب .. ثم أذهب إلى مشرب من مشارب الجعة المشهورة فى هذه المدينة .. وآكل الجمبرى السويسى والسمك المشوى .. وبغير الجعة والفوسفور فى السمك كنت لا أستطيع أن أنام بعد العمل الشاق والارهاق العصبى المدمر ، وأنا أصرف ثمانية آلاف من الجنيهات وأنا واقف على قدمى .. وكان المتعب فى العملية الناس الذين يطلبون الفكة .. والفضة الجديدة .. ويرفضون بعض أوراق البنكنوت كأنها مزيفة .. ويأتى بعد الرجال .. المطلقات اللواتى يصرفن النفقة .. وكانت الواحدة منهن لا تستطيع أن تعد أكثر من عشرة .. وتحسب فى كل مرة أن نقودها ناقصة وأننى سرقتها .. ومنهن من كانت تتهم زوجها بسرقة ختمها .. وارسال واحدة بدلها ..
وكانت هذه الحوادث لا تنتهى أبدا ..

***

وكنت مع تعبى الشديد والخوف من العجز .. أجد لذة محببة فى دراسة هذه الوجوه التى تقف أمامى على شباك الصرف .. وأرى فى بعض النساء وجوها صباحا تصرخ بالفتنة فأهدأ .. وأكون كمن أعطى حقنة مورفين وهو فى أشد حالات الهياج العصبى ..

وكان عملى مستقلا عن عمل الموظفين .. ومكتبى فى غرفة تطل على البحر .. ومن نافذتها كنت أشاهد ما يجرى فى الميناء ، وأرى البواخر الضخمة وهى تعبر القناة .. منطلقة فى عرض البحر وراسية فى الحوض الجاف .. ومفرغة حمولتها على الرصيف .. داخل النطاق الجمركى .. وأرى العمال وهم يعملون ويغنون وعلى أكتافهم الأحمال الثقيلة ويجرون على السقالات والأرصفة وعرقهم يتصبب ..

وكنت أصطفى اثنين من الموظفين بالمودة .. شاهين أفندى وكان فى قسم الادارة بالمكتب وأمين أفندى وكان مهندسا فى الميناء وكان أعرج .. ويعد من أبرع المهندسين فى المصلحة على الاطلاق ..

وكنا نجلس نحن الثلاثة يوميا .. على " قهوة " فى مدينة السويس نسمر إلى منتصف الليل ثم يذهب كل واحد منا إلى بيته ..

وكان بيت أمين أفندى من طابق واحد على سكة الزيتية .. وقريبا من البحر .. وكان أمين أعزب ولا يقوم على خدمته أحد .. وكان يأكل فى الخارج .. ويعطى ملابسه " للمكوجى " .. وينظف له البيت أحد الفراشين فى المكتب من حين إلى حين .. وكان مع عرجه رياضيا ويحب المشى .. ويستحم فى البحر يوميا قبل الشروق .. فى الصيف والشتاء .. وأحسبه الوحيد الذى كان ينزل إلى البحر فى تلك المنطقة .. لأنها كانت مشهورة بحيوان " القرش " وكان يعرف هذا ولكنه لم يكن يخشى أى شىء فى الحياة ..

وكنت أسمع أنه يشتهى النساء ولكنه لم يكن يتحدث عنهن أمامى كشىء يشغل البال ..

وكنا نجلس فى مسـاء الأحد على طريق البحر ، ونرى أسـراب النسـاء الخارجـات للتنزه وكان معظمهن من الأجـانب .. ومـن الإيطاليات ..

***

وكانت تمر أمامنا أختان متشابهتان فى الجمال وطول القوام .. وكانتا أجمل من نرى من النساء ، وتبدوان متعاليتين .. فى أرستقراطية . وكنا نرى أن جمالهما الارستقراطى لاروح فيه .. ومع ذلك فقد كانتا محط أنظـار الرجال ، ولكن ما من انسان كان يجرؤ على الاقتراب منهما ..

وكان المكتب فى بور توفيـق .. والفندق الذى أقيم فيه فى السويس .. وفى شـارع السوق الرئيس .. وكنت أضيق ذرعا بالضجيج ، والحركة فى الشارع ، وركوب القطار كل يوم .. وأود لو أعثر على سكن فى بور توفيق .. ولكنها كانت ضاحية بنتها الشركة لموظفيها .. ومساكن الأهالى فيها قليلة .. وان وجدت بيتا صغيرا .. فليس معى عفش .. وتأثيث بيت حتى على أبسط صورة ليس بالأمر الهين على شاب مثلى راتبه صغير .. وكان جلال وهو فراش الخزينة ، والذى يرافقنى وأنا أحمل الصرة ، يعرف المشقة التى أعانيها من السكن فى السويس .. فأخذ يسعى منذ قدومى ليجد لى غرفة مفروشة ببور توفيق .. وأخيرا دلنى على غرفة عند سيدة أجنبية تسكن فى طرف هذه الضاحية .. وأوصانى وأنا ذاهب إليها أن أكلمها بلغة أجنبية حتى تتصور أننى أجنبى .. لأنها لا تسكن المصريين .. ومتى أدركت الحقيقة بعد أسبوعين .. تكون قد خبرت طباعى واطمأنت إلىَّ ..
وذهبت على هذا الاعتبار وقرعت بابها ..

وفتحت لى الباب .. نصف فتحة ، وكانت خارجة من المطبخ .. وترتدى مريلة على ثوب بنى قصير .. وكانت غير متزينة .. ولكنها تبدو مشرقة .. وقلت لها بالفرنسية عن بغيتى ..
فقالت :
ـ تفضل ..
وأرتنى الغرفة .. وكانت فوق مستوى أحلامى ..

ولكننى رأيت أن أستعمل المكر الريفى حتى لا أظهر لهفتى على الغرفة ..
ـ هل تدخلها الشمس ..؟
ـ شمس .. اننا فى الصيف ..!
ـ ولكننى أحـب أن أنام فى غرفـة تدخلها الشمس .. صيفا وشتاء ..
ـ تعال فى الساعة الرابعة لترى الشمس بعينيك تملأ الغرفة ..
ـ سأجىء ..

وقالت وأنا فى الطريق إلى الباب :
ـ من الذى دلك على الغرفة ..؟
ـ مسيو .. جورج ..
ولا أدرى لماذا اخترت هـذا الاسـم .. وخـفت أن تسألنى ..
" جورج من ..؟ "
ولكنها انقذتنى من الحرج .. بقولها :
ـ أتجلس عنده ..؟
ـ أجل ..

فأدركت أنه حلوانى أو صاحب مشرب فى السويس ..
وأطلت برأسها من النافذة ، وأنا أجتاز سور بيتها .. وقالت :
ـ ستأتى فى الساعة الرابعة ..
ـ بكل تأكيد ..
وفى مساء اليوم نفسه انتقلت إلى الغرفة ..

***

وكانت " مارينا " .. أرملة ، ترك لها زوجها فتاة فى التاسـعة من عمرهـا وطفلا فى الرابعـة .. وكانت الفتاة فى مدرسـة ايطاليــة بالسويس ..

***

ومر شهر .. ولم أكن أعير هذه المرأة .. التفاتة .. ولا كانت هى ..

ولكننى كنت قد غيرت طريقة حياتى ، فأصبحت لا أذهب إلى السويس إلا مرة أو مرتين فى الأسبوع ..

وكان " أمين " يجىء إلى بيتى .. وأخرج معه إلى الميناء .. وكان يلاحظ لانشات المصلحة وبواخرها .. والعمال فيها .. وكان المحرك للميناء .. والقوة الفعالة فيها .. ويعمل دون صراخ أو ضجيج .. وكانوا يأتون به فى أيام راحته .. ويوقظونه من نومه .. لأنه الإنسان الوحيد الذى يستطيع أن يحرك هذه الآلات الكهنة .. ويديرها وينفخ فيها من روحه ..

وكان لا يحب القبطان ولا وكيله .. ويكره كل إنسان يجلس إلى مكتب أو بين جدران أربعة .. ويقول عنهم أنهم جهلاء .. لا يعرفون الحياة لأنهم لايعيشونها .. وكان يغضب أشد الغضب عندما يراهم يخصمون يوما من بحار ، أو عامل انقطع عن العمل لمرضه .. ويقول ثائرا :
" هاتوه أمامكم لتروه .. واعرفوا حاله .. بدلا من تقرير مصير الناس على الورق " ..

ولم تكن المنازعات تنتهى بينه وبين الموظفين فى المكتب أبدا .. لأنهما كانا قوتين تتصارعان .. كان هو يعمل للخير والحياة .. وهم للروتين والعفن ..

وكان يسكر مثلى ، ولكنه لم يكن يسبب الأذى لأى إنسان .. وكان يدافع عن العمال ويتحمل كل ضروب العنت فى سبيلهم .. وكنت أصطفيه لأنه كان إنسانا ، وكان رياضيا .. يحب المشى والرياضة مثلى .. فكنا نقطع الطريق من بور توفيق إلى السويس سيرا على الأقدام .. وفى بعض الحالات نواصل السير إلى الأربعين ..

وكان يقرأ .. ويتحدث عن الأدب ، وأرى فى يده أكثر من كتاب لبروست وزولا .. وكنت أسأله :
ـ لماذا لايوجد أديب فى الشرق مثل جوركى .. أو دكنز .. أو همنجواى ..؟
ـ لأن الأدب عندنا ينفصل عن الحياة ..
ـ أليس للاستعمار .. دخل فى هذا ..؟
ـ ان الأدب يزدهر وينمو .. حيث القلق والاضطهاد .. ولكنا لا نعيش فى الحياة ولا نصل إلى أعماقها ..
ـ ألا نأمل فى المستقبل ..؟
ـ طبعا .. فمع كل المساوىء التى تراها فى الحياة والفن .. فنحن نتقدم .. ولكننا نعقد الحياة .. ونشوه وجهها الجميل .. وهؤلاء العمال الذين تراهم فى الميناء يمكن أن يوجد من بينهم مائة قارىء يقرأون ويسمعون الموسيقى على أحسن وجه .. لو هذبت مداركهم .. ورفعت مستواهم .. وجـعلت لهم فى هذا المكان قاعة للمطالعة ومثلها للموسيقى .. أنهم لا ينقصهم شىء .. عن أى إنسان أوربى ولكننا نشوه الحياة عندنا وننقص من قدرنا متعمدين ..

وقد رنت كلماته فى أذنى ، وحاولت من هذه اللحظة أن أعيش فى الحياة ..

***

وكان يجىء إلى بيتى فى يومى الخميس والأحد .. وكنا فى هذين اليومين نسهر ونسكر .. وكانت مدام " مارينا " تسهر معنا .. ونتحدث فى كل الشئون .. ولم أكن أدرى أنشأ بينى وبينها بعد هذه الشهور السبعة ما يشبه الحب .. ولكننى كنت أرتجف وأنا أراها كاشفة عن مفاتنها أمامى .. وكان من عادتها أن تغلق نوافذ البيت فى ساعة القيلولة ، وتسدل عليها الستائر ، وتلبس قميصا أبيض قصيرا ، كأنه مقطوع بمشرط فى نصف دائرة كاملة .. أو كأنها خلعته فى الجانب الأيمن من الكتف ، ونسيت الجانب الأيسر فتركته على حاله .. ثم تنساب فى البيت وهى على هذه الصورة وخصرها مائل إلى جانب .. وتوقظنى من أحلامى وهى تنحنى أمامى وتأخذ سيجارة من علبتى .. وتشعلها .. وتنفث دخانها .. وأنشق عبير أنفاسها .. وعندما رأتنى أقرأ كثيرا .. وأحبس نفسى فى الغرفة .. قالت لى وهى باسمة فى أسى :
ـ لماذا تتعب نفسك فى الدرس يا مسيو مراد .. هل تعد رسالة للدكتوراه ..
ـ اننى أقرأ لأتسلى ..
ـ أخرج إلى الشارع ، لترى الناس وتتمتع بالحياة .. لا تضيع شبابك هكذا ..

وأمسكت بيدى مرة .. وكنا ندفع السفرة إلى جانب الحائط ..
ـ أرأيت .. أثر الكتب على جسمك .. انك ضعيف محطم ..
وكأنما لسعتنى بسوط وعلا وجهى الاصفرار ..

وذات يوم من أيام الصرف للعمـال .. تأخرت فى استبـدال العملة .. الفضة فى المحافظة ..

وتعطلت بنا السـيارة فى الطريق إلى بور توفيـق فزادت الأمر سوءا .. وعندما وصلت إلى باب المكتب فى الساعة الثانية بعد الظهر .. كان آلاف العمال يقفون فى الشارع .. ويسدون علىَّ الطريق .. وفى عيونهم التذمر والقلق ..

ودخلت المكتب وأغلقت ورائى الباب .. كان لابد من عد الفضة قبل البدء فى الصرف .. وأخذ العمال يتصايحون فى الخارج .. ثم أخذوا يقرعون الباب بعنف وازداد الاضطراب والصياح .. وصحت فيهم وتوقفت عن العمل .. وزاد هياجهم .. وأفلت الزمام من يدى .. ومن يد القبطان .. وكل رجل مسئول فى الميناء ..

وهاجوا ودفعوا الباب بالقوة ودخلوا .. وكانت النقود مبعثرة على الطاولة .. وزاغت عيونهم .. واصفر وجهى ، وتقدموا فى هياج نحو الطاولة ..

وكنت واقفا وحدى .. وبجانبى الساعى .. ونحن نكاد نختنق ونتحطم ..

وفى تلك اللحظة الحاسمة .. سمعت صوت " أمين " خلف هذه الجموع .. ونظروا جميعا إلى الخلف ، وتسمروا فى أماكنهم .. ودخل يشق الصفوف .. وانقطع كل صياح .. وعاد السكون والنظام .. ووقف بجانبى وأنا أصرف لهذه الجموع ..

***

وسهرنا فى مساء الأحد مع " مارينا " كعادتنا .. وسكرنا ..

وكان من عادتها أن تجلس معنا بعد أن ينام طفلها ، وتذهب ابنتها إلى سريرها .. وتغلق عليها النور ..

ثم تقبل علينـا رشيقـة ضاحكة .. وقد ارتدت رداء بسيطا يبرز محاسنها ، ويزيدها جمالا ..

وكانت تدير الجرامافون وتدور علينا بالكؤوس .. وهى نشوى طروب .. ولما انتهت السهرة ونهض أمين ليذهب ، رأيت أن أرافقه إلى المحطة .. فقالت مارينا :
ـ سأخرج معكما ..

وخرجنا ثلاثتنا إلى الطريق .. وأحسست بالصفاء وبالسرور وبجمال الضاحية .. وجمال الطبيعة من حولى ، وجمال القمر ..

ولما أركبنا أمين القطار ، وعدت معها فى الشارع الذى على جانبيه الأشجار ، كنا وحدنا .. ولم نصادف إنسانا فى الطريق .. وكنا نسير متمهلين ..

وسألتها وقد شعرت بضربات قلبى تشتد :
ـ هل أنت مستريحة لوجودى فى بيتك ..؟
ـ طبعا .. انك فى غاية الأدب .. وأنا أستفيد منك ..
ـ كيف ..؟
ـ ايجار الغرفة .. والطعام ..

ولكن فائدتى أنا ليست مادية كما ذكرت .. فأنا أشعر معك بسعادة روحية .. سعادة من يحب ..
ـ يحب ..؟!
ـ أجل .. اننى أحب ..
ـ تحب من ..؟
ـ أنت ..
ـ هل أنت سكران ..؟!
ـ لماذا ..؟
ـ لأنك بدأت تهذى ..
وظهر على وجهها الغضب ..
ـ ألا أصلح للحب ..؟
وهزت كتفيها .. ولم تنبس ..

شعرت بمثل الدوامة تلفنى ، وبمثل موج البحر الذى بجوارى يدفعنى إلى بعيد ..
ودخلنا البيت صامتين ..

***

وكأنها شعرت بالخنجر الذى غرسته فى قلبى .. فقد أخذت تعاملنى بلطف ودون كلفة كأننى فرد من الأسرة .. وتطلب منى أن أساعد بنتها فى دروس المدرسة .. وتشركنى معها فى نقل الأثاث .. من غرفة إلى غرفة .. وفى تنسيق المائدة .. وتطلب منى أن أختار لون الطعام الذى أحبه .. ولكننى رغم هذا لم أتقدم نحوها بأية خطوة جديدة ..

***

وفى يوم الأحد التالى جاء " أمين " وسهر معنا كالعادة .. وكنا نتعشى عشاء بسيطا فى الصالة ونشرب النبيذ الإيطالى .. ونستمع إلى الموسيقى .. ولاحظت على المائدة .. وكانت " مارينا " تجلس بيننا .. أن يدها لامست يد " أمين " أكثر من مرة .. ولم أكن أعرف هذه الحركة جاءت منها عفوا ، أم متعمدة ..

ولكن لم يظهر على وجه " أمين " أنه أحس بيدها ، أو لاحظ منها هذه الحركة ، وعندما نهضنا عن المائدة وجلسنا .. ندخن فى الفراندة .. ذهبت هى إلى المطبخ لتصنع قهوة ومشيت إلى غرفتى لأجىء بعلبة السجائر .. ورأيتها وأنا راجع .. مقتربة منه وهو يدفعها عنه بلطف ..

وتأخرنا فى السهر ، ولما نهض أمين ليذهب إلى السويس .. خفنا أن يفوته آخر قطار .. فعرضت عليه أن يبيت .. وبعد الاصرار .. قبل ونام فى غرفة وحده ..
وذهب كل منا إلى فراشه ..

وفى آخر الليل تنبهت على حركة .. وسمعت صوتها .. وكانت تهمس فنهضت ومشيت نحو مصدر الصوت .. فرأيتها بجانب فراش " أمين " .. وهى حافية وبقميص واحد وصدرها كله عار .. وكانت تلتصق به ، وهو يدفعها عنـه بقوة ، ولكنهـا كانت تعاود الكرة ..
فغضب ودفعها بعيدا .. وأغلق عليه الباب بالمفتاح ..
وفى الصباح نهض قبل أن أصحو وذهب ..

***

ولم يأت إلى بيت مدام " مارينا " بعد هذه الليلة .. وقال لى معللا انقطاعه بأن بور توفيق هادئة .. أكثر من اللازم ولا تجعله يحس بالحياة فى الليل .. ويجب أن نغيرها .. فاخترنا مكانا آخر نمضى فيه السهرة ..
وسألتنى المدام ذات مرة :
ـ لماذا لا يأتى صاحبك الأعرج ..؟
ـ انه يتعب من المشوار ..
ـ ما الذى يعجبك فيه حتى تصاحبه .. ألم تلاحظ مشيته وهندامه وشكله القبيح ..؟
ـ ولكن النساء تحبه رغم هذا ..
ـ ان هذا أعجب شىء سمعته .. لابد أن تكن عاهرات ..
ـ وإذا لم تكن عاهرة ..
ـ تكون مخبولة .. فإن أى امرأة بعقلها تبصق على وجهه إذا اقترب منها ..

وكنت أعرف أنه جرح كبرياءها فى الصميم ، فلم أعجب وأنا أسمع منها هذا الكلام ..

***

وكنت أذهب إلى بيت أمين بعد الظهر .. إذا ما كانت لى حاجة فى السويس .. أو مررت على البنك ..

وذات مساء فتح شراعة الباب ولم تكن هذه عادته .. ولما رآنى ظهر على وجهه الاضطراب ، رغم أن وجهه لايعبر عن انفعاله .. وكان من عادتى أن أدخل توا إلى غرفته ..

ولكنه ابتدرنى بقوله وهو يشير إلى غرفة الجلوس :
ـ اقعد هنا يامراد .. الأوده ملخبطة .. وفيها بق .. الحمار ماجاش ينضف .. حالبس حالا ..

ومضت دقيقة وسمعت همسا ، وصوت أنثى ولغة أجنبية لا أعرفها .. ثم تحرك ظل امرأة فى الصالة وخرجت بخفة .. ولما أصبحت فى الطريق .. نهضت ونظرت من النافذة .. فوجدتها كبرى الأختين الارستقراطيتين اللتين كانت تتنزهان أمامنا فى طريق الزيتية ، ولا يجرؤ إنسان على الاقتراب منهما ..

***

وحدث عصر يوم من أيام الخريف أن جاء شاهين إلى البيت وهو مضطرب .. وطلب من " مارينا " أن توقظنى من النوم ..

وأخبرنى وهو يبـكى .. أن أمين سـقط وهو يركب القطار وهو يتحرك .. فى محطة بور توفيق ..

***

وعندما نقلناه إلى المستشفى .. كان أشق الأشياء على نفسه أن يراه الناس محمولا على عربة ذات عجلات ..

وقرر الطبيب اجراء عملية جراحية له .. ولكنه انتهى بعد نصف الليل قبل أن تجرى العملية .. ولما عدت إلى البيت .. كانت " مارينا " لاتزال ساهرة وفى عينيها بقايا من دمع ..

====================================
نشرت القصة بمجلة الجيل 8/8/1955 وفى المجموعة التى تحمل اسم القصة " وأعيد نشرها فى كتاب " قصص من القنال " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006
====================================