الجمعة، ٧ مارس ٢٠٠٨

من السويس ـ قصة الحياة

الحيــاة

قصة محمود البدوى

ذهبت إلى السويس منذ عشرين سنة فى مهمة مصلحية ، وشعرت بالانقباض وأنا أدخل بالقطار حدود المدينة ، فقد كانت المناظر كئيبة والفقر باديا .. ولكن بعد أن سرت على البحر وشاهدت بور توفيق تغير الحال ..

ووجدت رفقة فى العمل .. ندر أن يوفق إلى مثلهم إنسان .. وغرفة مفروشة فى أجمل بقعة فى المدينة .. وأخذت نفسى تتفتح للعمل والحياة ..

وكانت المدينة هادئة وصغيرة وككل الموانىء المصرية تكثر فيها المقاهى والحوانيت .. وكانت الرحلة فى القطار من السويس إلى بور توفيق ممتعة ..

وعبور البوغاز نزهة جميلة ومشاهدة السفن وهى تشق القناة منظرا يأخذ بالالباب .. ولم يكن العمل روتينيا .. كان أكثره يتصل بالسفن والبحر والشحن والتفريغ .. والحركة الدائبة فى الميناء ..

وكان المكتب على البحر مباشرة وبه خمسة من الموظفين من أعمار متفاوته ومن بلاد بعيدة عن السويس ..

وكنا نجتمع بعد الظهر فى قهوة ديانا بسكة الزيتية ولا يتخلف منا أحد .. ونكتفى بهذه المقابلة اليومية عن التزاور فى البيوت ، وكان المتزوجون منا يروحون بعد التاسعة ويبقى الآخرون إلى نصف الليل ..

وكانت الحياة بهيجة وحافلة بالمتعة رغم ضآلة أجورنا ..

وكنا فى الساعات التى نحس فيها بأن العمل يضغط على أعصابنا .. نرفع سماعة التليفون التى فى المكتب :
ـ عبد السلام .. كلم ..
ـ مين ..؟
ـ لشبونة ..
ـ لشبونة ..؟!
ـ أيوه لشبونة ..
وكان يتصورها مركبا يعبر البوغاز ..

فلم يكن قد بقى فى رأسه أى شىء من الجغرافيا التى تعلمها فى المدارس .. وكان بطىء الحركة بطبعه ..
ـ يا أخى اجرى عطلت الخط ..
ويصيح وهو يمسك بالسماعة :
ـ يا ريس محجوب .. قول للباشمهندس .. يطلع اللنش .. هما بس أول الشهر يجروا على الخزنة .. هى دى تكية المغاورى ..
وكان بينه وبين الباشمهندس عداوة لا سبب لها ..

***

وكنا نضحك خصوصا أنه ينسى فى زعاقه مع الريس محجوب حكاية لشبونة ..

وفى اليوم التالى يتذكر لشبونة فيمسك بالسماعة ، وقد نسى كل ما حدث بالأمس ..

وذات يوم صاح فينا وهو يمسك بالسماعة .. وكان ينظر من النافذة إلى القناة ..
ـ يا بهايم .. لشبونة آهى عدت البوغاز ..

ونظرنا إلى حيث يشير فوجدنا سفينة ضخمة تحمل اسم لشبونة .. وكانت تتهادى بعد أن عبرت القناة كالعروس ..

ونظرنا إلى السفينة مشدوهين وقد جعلنا هذا الحادث نكف عن السخرية به ..

***

وذات مساء لم يحضر زميلنا مصطفى القهوة ، وفى الصباح غاب عن المكتب ، فقدرنا أنه سافر إلى بلده طنطا ..

ولكن فى اليوم التالى وكان أول الشهر ، جاء خادمه الصغير يحمل منه ورقة ، وطلب النقود وكشف المرتبات ليوقع عليه فى البيت لأنه مريض وفى حاجة شديدة إلى الماهية ، ولكن الصراف رفض أن يسلم المبلغ والكشف للخادم وطلب التوكيل ..
وعاد الخادم كما جاء ..

ولما علمنا بالخبر تأثرنا .. وذهبت إلى الصراف فقبل أن يعطينى المبلغ والكشف ..

وذهبت إلى بيت مصطفى ، وكان يسكن فى بيت صغير بحى الأربعين ..

وصعدت السلالم ونقرت على الباب ففتحت لى شابة جميلة ..

وعرفتها بنفسى وغرضى من الزيارة .. فقالت برقة :
ـ تفضل ..
ودخلت على مصطفى فى فراشه .. وكانت حالته من السوء بدرجة أننى أمسكت بيده وهو يوقع على الكشف ..

ولم أكن أقدر أن مرضه بلغ هذه الدرجة فى مدة وجيزة .. فتألمت جدا ورأيت أن أبقى معه بعض الوقت ..

وأخذت أحدثه عن زملائه فى العمل ، وعن الأحوال .. وكان يفيق قليلا .. ثم يروح فى غيبوبة طويلة ..

وحمل إلىَّ الخادم الصغير الذى أرسلوه إلى المكتب فى الصباح ، القهوة ..

وكانت نجية .. جالسة فى الصالة .. بعيدا عن الباب ورأيت طرف ثوبها وأنا جالس يلاعبه الهواء ..

وهتف بها زوجها أكثر من مرة لتأخذ منه النقود التى حملتها له .. فدخلت مستحيية .. كأنما يحمى على خديها بالنار ..

وتناولت النقود وخرجت سريعا دون أن تبادلنى كلمة ..

وفى اليوم التالى زاره معى زميل من المكتب ، ولما رأينا خطورة حالته نقلناه فى الليل إلى المستشفى الأميرى ..

وسألنا نجية فى اليوم الرابع عن أسرة زوجها .. بعد أن تيقنا أنه مريض بالتيفود ..

وقالت لنا أنها تعرف أن له أخا يدعى بهجت يعمل فى شركة حلج الأقطان بكفر الزيات ولم يحدثها عن سواه ..
فأرسلنا له برقية ..

فجاء بعد يومين وزار مصطفى فى المستشفى ، ثم سافر فى اليوم نفسه . فقد وجد الحالة فى تحسن والحرارة انخفضت .. وكانت أعماله لا تسمح له بالتغيب أكثر من هذا النهار ..

وأصبحت نجية وحدها بجانب زوجها .. وأشفقت عليها من زياراتها اليومية فى هذه الحرارة الشديدة وطلبت منها أن تقلل من الزيارة حرصا على صحتها ..
فقالت لى والدمع يجول فى محجريها :
ـ ازاى .. لازم نشوفه كل يوم ..

والواقع اننى لاحظت أنها تحبه حبا شديدا رغم أنهما كانا متزوجين حديثا ، والزواج لم تتعمق جذوره .. ورغم الفارق الكبير فى السن .. فقد كان فى سن والدها ..

وكان كل من يراها معه يتصورها ابنته وليست بزوجه ، وكان مصطفى رجلا طيبا ويعمل طول عمره فى البحر .. لم يخرج من الموانىء المصرية الثلاثة ..

وقدرت أن نجية من رشيد .. فقد كانت بشرتها تتغذى بالسمك ..

وكان الرجل طيب المعشر ، قانعا بما وصل إليه فى حياته .. قانعا بجنيهاته القليلة ، وأحسبه كان يعتقد أن الله أعطاه نجية ليحرمه بسبب هذه النعمة من أشياء كثيرة ..

وعندما كان يهذى من فرط الحمى كانت تسعة أعشار كلماته تدور حولها ..

وكنت أراها عنده كلما جئت ، وأشفق عليها من زيارة مثل هذه المستشفيات ، وأشفق عليها من وحدتها فى البيت .. وأسفت لأنه لاتوجد لى زوجة أو قريبة فى مدينة السويس لتؤنس نجية ..

ولم أرها فى المستشفى يومين كاملين ، ولم أسأل مصطفى عنها حتى لا أشغله بها .. أو بأى شىء خارجى ..

وبعد أن خرجت من المستشفى ركبت القطار إلى السويس .. وكانت الساعة السادسة مساء ..

***

فاتجهت إلى بيتها ..
ووجدتها فى البيت .. وكنت أود أن أكتفى بالسلام على السلم .. ولكنها استحلفتنى أن أدخل لأشرب القهوة .. فدخلت وذهبت إلى المطبخ ، وعادت بعد قليل تحمل الصينية على يدها ، وكانت فى ثوب البيت البسـيط ، وشعرها الأسود يغطى جبينها وفى عينيها الذبول الآسر ..
وقلت وأنا أرتشف القهوة :
ـ من يومين .. لم أرك .. وخفت أن تكونى فى حاجة إلى شىء ..
فقالت ضاحكة :
ـ هو أنت حتعول مين .. الست ولا جوزها ..؟
فابتسمت ..

وكانت جالسه فى الصالة وعلى رأسها وشاح حريرى وقد أعطتنى جانب ظهرها ..

وطال رشفى للقهوة .. ونظرت إلى بيت نجية لأول مرة .. إلى أثاثها البسيط ، وإلى حسن تنسيقها للأشياء .. وقدرت أنها ست بيت من الطراز الأول ، ومذ دخلت والباب الخارجى مفتوح .. ولا أدرى أنسيته سهوا أم تركته عن عمد .. وأحسست بأنها وحيدة .. وأنها تقضى الليل وحدها فى هذا المكان ..

فقلت :
ـ لماذا .. لا تأتين .. باحدى قريباتك لتعيش معك حتى يخرج زوجك من المستشفى ..
ـ الجيران كويسين ..
ـ لكن وحدك .. حاجة تخوف ..!
ـ تفتكر .. حنجيب مين .. مفيش حد .. متعوده على كده .. كان مصطفى بيسافر كثير ويروح الفنارات ، وكنت بنام لوحدى ..
ـ لازم بتحرسك الملائكة ..
ـ يمكن ..!
وضحكت وسألتنى :
ـ حضرتك تعرف مصطفى من زمان ..؟
ـ من ستة شهور بس ..
ـ أمال أنا متهيأ لى أنى شفتك قبل كده ..
ـ يمكن فى رشيد ..
ـ عمرى مارحت رشيد ..!

ونظرت إليها طويلا وكنت أود أن أسألها ، من أين لك هذه البشرة الناعمة وهذا الصفاء إذن ..
ووضعت الفنجان من يدى ونهضت ..
فقالت ببراعة :
ـ مش حاقدر أقول لك خليك لما نعشيك ، علشان النهاردة معنديش أكل ..!
ـ لما يخف مصطفى تعملينا عزومة .. بس لازم تأكلى معانا ..
ـ طبعا ..
وضحكت ..

***

وتحسنت صحة مصطفى ، وظهر الأمل والفرح على وجه نجية .. وشعرت بالحياة .. فأخذت تتزين وتتأنق فى ملبسها .. والتقيت بها عصر يوم وهى خارجة من باب المستشفى وكانت مجلوة .. ترتدى فستانا طويلا من الحرير المشجر ، واسع الأكمام ، واسع الذيل .. وبدت كالطاووس وهى تهبط الدرج ..

وسقط شعاع الشمس على عينيها الذابلتين ، فاتقته بيدها .. لترانى وأنا أقترب ، وابتدرتنى قائلة :
ـ مصطفى كويس النهارده خالص ..
ـ مبروك .. الحمد لله .. حنتفق مع الدكتور على ميعاد الخروج ..
فسرت أكثر ..

ولكن فى اليـوم التـالى ، ارتفعت درجة حرارته فجأة ، وعاد يهذى ..

ولم تكن زوجته بجانبه فى تلك اللحظة ، ونصحنى الطبيب بأن أستدعيها فى الحال ، وشعرت بالدنيا تسود أمام عينى ، وبالغمة وبالبياض يتحولان فجأة إلى سواد ، ولم أستطع أن أغير مظهرى وأنا أنقر على بابها ، فقد قرأت فى وجهى نذير الشؤم ..
ـ مات ..؟
ـ أبدا .. عاوزينك فى حاجة بسيطة ..

مشت مضطربة فى الصالة رائحة وغادية ثم ارتدت ملابسها على عجل وخرجت معى .

وكان القطار الذاهب إلى الأربعين قد انقطع .. فركبنا عربة أجرة وركبت بجوارها لأول مرة ، وكان يمكن أن نغير وجه الخيل .. وأن ننطلق بالعربة كعاشقين فى سكة الزيتية ، وعلى شمالنا البحر .. وعلى يميننا الصحراء .. والظلام يطوينا .. والسكون يلفنا .. ونسمع خرير الموج .. ونتطلع إلى القمر الذى مازال فى الغيب .. كان يمكن أن يحدث هذا لو لم تكن بجوارى زوجة صديق .. والصديق راقد فى المستشفى بين حى وميت ..

لاحظت أنها استعادت بعض هدوئها ، عاد لونها يرق ، ولم تكن تحس أبدا بأنها تجلس مع رجل غريب .. وللحياة أسرار لاتحيط بها العقول ، فإن هذا المشوار القصير بالعربة ذات الطراز القديم ، قد رسم خط حياتنا ، وطارت كل أحلام اليقظة سريعا .. عندما تخطينا عتبة المستشفى وعلمت من التمرجى أن مصطفى انتهى منذ لحظات ..

وتركتها على دكة خشبية تبكى .. ولم تكن المسكينة تستطيع وحدها فى هذا البلد الغريب أن تواجه العاصفة .. تحملت عنها العبء كله .. وكان أول شىء فعلته أن أرسلت برقية لأخيه بهجت .. ثم شرعت فى اجراءات الدفن ونقل الجثة ، فقد أصرت نجية على أن تدفنه فى بلده حتى وإن لم يحضر أخوه .. وبقيت معها فى المستشفى إلى الصباح ، وقبل الظهر كنت أتمنى لو لم أولد وألا أكون موجودا على ظهر الأرض ، من تعقد الاجراءات ..

فأنا الذى لم أكن أعرف كيف استخرج لنفسى شهادة ميلاد .. أقوم بنقل ميت بالحمى من السويس إلى طنطا ..

ولما حضر أخوه ، كانت كل الاجراءات قد تمت ، فتركناه يحمله فى القطار ..
وركبت نجية فى ديوان السيدات ..

وشعرت بعد أن تحرك القطار بالأسى .. ولم يكن ذلك لحزنى على المرحوم ، فقد أنسانى التعب الذى لقيته فى سبيل دفنه كل الأحزان على الموتى ..
ولكنى حزنت لأنى تركت نجية وحدها ..

***

وعادت بعد أسبوع لتأخذ عفشها ، وبعد أن نقلناه إلى المحطة ، قلت لها :
ـ اعطينى العنوان .. وسافرى .. فلست فى حاجة لأن تتحملى متاعب الشيالين ..

وأنزلتها فى قطار العصر .. وأمسكت بيدها كالمأخوذ وأنا لا أشعر بشىء .. ولكنى تنبهت على ضغطة منها على راحتى ، وقبضة بكل ما فى أصابعها اللينة من قوة .. ولما نظرت إلى عينيها أطرقت .. وكان القطار يصفر ..

ولما خرج من المحطة ، وجدت نفسى أود لو أجرى وراءه على القضبان .. ولكن كان كل من فى المحطة .. فى هذه المدينة الصغيرة يعرفنى ..

فدخلت حجرة الناظر أوصيه بشحن العفش فى عربة نظيفة ..!

***

ولم أجلس على القهوة كعادتى مع الرفاق .. ذهبت إلى البيت .. وشعرت لأول مرة فى حياتى وأنا فى هذه المدينة بالكآبة التى شعرت بها وأنا أدخلهـا منذ سنة كاملة ، وأخرجت الورقة التى كتبتها لى نجية بخطها ، وقرأت العنوان مائة مرة ، ولم أكن فى حاجة لأن أعيد قراءته لأستظهره وأثبته فى الذاكرة .. فلم يكن يعنينى فى الحياة شىء سواه ..

وتفجرت كل مشاعرى ، وأحسست بعواطف الشاب الذى يحب لأول مرة إلى درجة الجنون ، وبقدر كتمانى هذه العواطف وتحويلها أمام أنظار الناس حتى يحسبوها من المشاعر العادية .. تفجرت الآن واندفعت كالموج العاتى وظهرت على حقيقتها ..

وخيل إلىَّ أن ضربات قلبى تنطق باسمها فى كل حركة أحس بها ..

ونظرت إلى سمـاء المدينة من النافذة .. وإلى البحر .. والموج والحياة .. والناس .. وعجبت لتغيير كل شىء فى لحظة ..

***

وبعد أن شحنت العفش .. أرسلت لها بوليصة الشحن فى رسالة قصيرة ، فردت علىَّ شاكرة فى أربعة سطور ، وتبينت فى هذه الرسالة وجه الأرملة ..

وفى الشهر التالى ، ركبت القطار إلى الإسكندرية ، وفى محطتها ذكرت العنوان للحوذى .. فأنا لا أعرف شيئا عن هذه المدينة .. ودار بى فى عدة شوارع وحوار .. وأخيرا اهتديت إلى البيت ..

ورأيت نجية .. فى السواد .. وقدمتنى إلى أمها المسكينة وأختها الأصغر منها ، وهما كل أسرتها ..

وسرت كثيرا من زيارتى لأنها لم تكن تتوقعها ، ورأيت الطيبة على الوجوه الثلاثة ..

كما رأيت بساطة الناس الفقراء وطيب معدنهم ، وأخذت نجية تحدث أمها بما فعلته لها وأنا فى السويس ، وكنت أطرق خجلا ..

وأقسمت الأم أن أبقى للعشاء ، فقبلت ، لأنى كنت أحب أن أمكث أطول مدة مستطاعة مع نجية ..
وقلت لها وأنا أنظر إليها طويلا :
ـ يعنى خسيتى ..
ـ وأنت كمان خسيت ..
ـ جعان ..
فقالت بلباقة :
ـ ليه .. أكل " كرياكو " مش كفـاية .. أنت لسـه بتأكل عنده ..؟
ـ أمال حاكل فين .. أنت عارفه السويس ..
وقلت وأنا أنظر إلى المصابيح وقد أضيئت فى الشارع :
ـ على فكرة .. حيكم .. دا .. يتوه .. ولولا الورقة فى جيبى .. مش ممكن كنت أعرف البيت ..
ـ أنا نفسى بتوه .. تهت وأنا راجعه ..؟
وضحكت وقلت :
ـ وعلشان كده .. لازم .. أخدك معايا .. المرة دى مش حسيبك أبدا ، لأنى مش حاعرف آجى تانى ..
ـ ازاى .. ؟
ـ نجوز الليلة ..
فضحكت حتى سمعها من فى البيت
ـ تعرف لو عملنا كده ..؟
ـ ايه ..؟
ـ نتحبس .. احنا الاثنين ..
ـ ليه ..؟
أنت باين متعرفش حاجة عن شهور العدة ..
ونظرت إليهـا فى استغراب .. ولما فهمت المسألة ، ضحكت لجهلى ..

واتفقنا على الزواج بعد ثلاثة شهور أخرى .. بشرط أن أنتقل إلى الإسكندرية .. أو بور سعيد .. لأنها لا تستطيع أن تواجه الناس فى السويس كزوجة لى ، لأنهم سيتصورون أنها كانت معشوقتى ، وهى فى عصمة المرحوم ..

***

وتم الزواج فى بساطة .. وانتقلنا إلى بور سعيد .. ولاحظت أنها لم تفرح لهذا الزواج .. كانت لاتزال حزينة ولابسه السواد ودائمة التفكير ..

ولما كنت أعرف أنها كانت تحب زوجها الراحل حبا شديدا ولمست ذلك بنفسى .. فقد تركتها .. وكنت أقدر أن الأيام كفيلة بأن تمسح هذا الحزن ..

ولكن كان يغيظنى هذا السواد الذى تلبسه ، وأننى كلما اقتربت منها نفرت منى ..

وسألتنى ذات ليلة بعد العشاء ، ودون تمهيد للسؤال كعادتها :
ـ منير .. هل كنت تشتهينى وأنا فى عصمة رجل آخر ، أن هذا الخاطر يعذبنى ..؟
ـ وكيف تفكرين هذا التفكير ..
ـ أن نظراتك كلها .. كانت تدل على الاشتهـاء المحرم .. وأنا
زوجة صديق لك .. هذا و ..
ـ اسمعى ان أعصابك منهارة .. فلماذا تعذبيننى بهذه الأسئلة السخيفة ، هل فعلت شيئا هناك ..؟
ـ أبدا .. ولكنك كنت تنتظر ، وتجزم بأن الفرصة آتية ..
ـ ان هـذا تفكيرك .. وليس تفكيرى ، وعلى فكرة .. أنا مسـافر .. يوم الاثنين .. على الباخرة عايدة إلى البحر الأحمر ..
ـ كيف .. وتتركنى وحدى ..؟
ـ سأذهب إلى الناس الذين يعيشون فى الفنارات مع السمك .. والبحر .. والليل والظلام .. بعيدا عن الحياة .. والنساء .. لقد أصبحت وأنا على الأرض مثلهم .. ولمست عذابهم ..
ـ اذهب .. ومن يمنعك .. وإذا راقتك الحياة هناك .. فابق ..
ـ سأذهب ..
وفى فورة غضب تركت البيت وذهبت أتمشى على البحر ..

ولما عدت قبل منتصف الليل .. وجدتها قد خلعت السواد وجلست فى قميص أبيض أمام المرآة تمشط شعرها ..
====================================
نشرت القصة بمجلة الجيل فى عددها رقم 298 بتاريخ 9/9/1957 وأعيد نشرها فى كتاب " قصص من القنال " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006
====================================

من السويس ـ قصة بنسيون منيرفا

بنسيون منيرفا

قصة محمود البدوى


اشتغلت فى أول عهدى بالحياة فى شركة الحاج عبد الصمد للتجارة والملاحة الدولية بالسويس ..

وكان الحاج عبد الصمد هذا أميا لايقرأ ولا يكتب ، ولكنه يحمل فى رأسه عقل " شاخت " ..

وكان متعهد جميع البواخر التى تمر بمدينة السويس ، يفرغ منها البضائع ويمونها بالأغذية والأطعمة المجففة ، وكنا نعمل فى الميناء من الصباح إلى المساء ، ونظل نتعهد الباخرة حتى ترفع السلم وتدور محركاتها وتنطلق فى عرض البحر ..

وكنت شغوفا بهذا العمل مرتاحا إليه .. لأننى اختبرت فى خلاله الحياة والناس عن قرب ، فقد كنت أصعد على ظهر المركب واختلط بالركاب وأشاهد ألوفا مختلفة من الناس من كل جنس ولون .. ولقد أصبحت لطول اختبارى أستطيع أن أميز الإنجليزى من الأمريكى من الفرنسى من الهولاندى من الصينى .. دون أن ينطق بحرف .. فلكل من هؤلاء خصائصه التى تتميز بها الشعوب ..

وكنت أفرغ من العمـل فى السـاعة التاسعة مساء .. وأجلس فى مشرب من مشارب الجعة لأتعشى .. ثم أذهب إلى البنسيون الذى أقيم فيه ، وكان يسمى بنسيون " منـيرفا " وهو بنسيون صغير فى قلب المدينة ، وكنت أسكن مع أسرة أجنبية ، واخترت غرفة منعزلة لها باب داخل البنسيون وآخر مستقل .. وكانت الأسرة تؤجر ثلاث غرف أخرى لبعض النزلاء .. كانت مؤجرة غرفة لشخص يدعى محروس أفندى وكان قصير القامة ، ناحل الجسم لا يزن أكثر من ثمانين رطلا ، ولكنه استعاض عن هذا النقص بما يكمله ، فقد كانت له زوجه فى حجم الفيل .. وقد جاءت هذه الزوجة من بور سعيد لتزوره فقط لأن إقامة زوجها فى السويس كانت مؤقته .. ولكنها استطابت الحياة فى البنسيون فبقيت شهرا وشهرين وثلاثة .. وقد أخذت هذه الزوجة منذ الاسبوع الأول من سكناى تغازلنى بشكل مفضوح ..! ولم يكن وقتى وعملى يتسعان للحياة العابثة إطلاقا ، فكنت أقابل مغازلاتها بإعراض وصدود ، ولكنها مع هذا لم تيأس واستمرت فى هجومها ، وكانت صاحبة البنسيون أرملة فى الخمسين من عمرها .. ولها بنتان ، واحدة متزوجة وتقيـم فى بور توفيق .. وأخرى دون العشرين بقليل وتقيم معها .. واسمها لندا .. وكانت لندا جميلة تجيد العزف على البيان ..

وكان هناك عجوز لا عمل له يشغل غرفة من الغرف ، وكان يتكلم كل لغات الأرض ، فقد كان قبطانا فى الميناء ، وكان دائم القعود فى البيت ، يدخن ويسكر ، وينطلق لسانه بكلام لامعنى له عن حرية الشعوب ، وحرية الملاحة فى البحار ، وعن الرجال الأفذاذ الذين نسيهم التاريخ ..

وكانت هناك سيدة إنجليزية تشغل غرفة صغيرة فى الطرقة ، وكانت تعمـل فى شركة من شركات البترول ، ولم يكن جميلة ولا قبيحة ، وكانت مغرمة بالشراب ، تشرب الويسكى على الريق ..

وكنا نجتمع فى يوم الأحد ، وهو يوم الراحة لنا جميعا على المائدة ونتغدى ونشرب ونتحدث .. ونستمع بعد الغداء إلى لندا وهى تعزف على البيان ، وإلى غناء القبطان وإلى حديث السيدة الإنجليزية عن الحياة فيما وراء البحـار ، وكان القبطان يغنى أغنية واحدة بالإيطالية ويكررها ، وكان صوته قبيحا ، وكانت معانى الأغنية السامية تبتذل من طريقته فى الالقاء ، ومن صوته الكريه .. وكان يخيل إلينا أنه يخص لندا وحدها بالغزل والغناء ، وكان إذا فرغ من الغناء ابتعد عن المجلس وجلس فى ركن مظلم من الردهة يدخن ويحدق فى الفتاة ويضع رأسه على راحته ويفكر ..

وكانت لندا تحادث الجالسين جميعا فى مرح وغبطة إلا هو ، فإذا وجه إليها كلاما امتقع وجهها وردت عليه فى جفاء ظاهر .. وكانت زوجة محروس أفندى أكثر نزلاء البنسيون مرحا وسرورا بهذا اليوم ، وكانت تطبخ لنا الأرز بالسمك .. وتضع أمامى الطبق وتسألنى رأيى .. وكنت أتعمد إغاظتها وأقول لها أنه ردىء .. وإننى أكلت أحسن منه فى الكازينو ، فكانت تزم شفتيها وتصمت حتى نفرغ من الطعام .. وكان زوجها يشتغـل فى الجـمرك ، ويعمل أسبوعا فى الليل وأسبوعا فى النهار .. وكانت حجرتها ملاصقة لحجرتى ، وبيننا باب مغلق وراءه دولاب صغير للملابس من السهل أن تحركه من مكانه . فكنت خلال الأسبوع الذى يتغيب فيه زوجها ، أخشى أن تدفعها الرغبة إلى فتح الباب ، والتسلل إلى غرفتى فى ظلام الليل .. ولم أكن أشعر نحوها بأى عاطفة مما يحسه الرجل نحو المرأة .. كنت صغيرا لم أتجاوز الثامنة عشرة من عمرى ، وكان العمل المرهق يستغرق كل وقتى وكل طاقتى .. وكنت أعود إلى البيت تعبا وأستغرق فى نوم عميق ولا أحس بشىء مما حولى إلى الصباح ..

وكانت المرأة تلاحقنى وتتقصى أخبارى .. وعجبت إذ رأيتها بعد أسبوع واحد من نزولى فى البنسيون قد عرفت كل شىء عنى .. عرفت من أين جئت ، وأين أشتغـل ، وما هو أجرى ، والمطعم الذى أتغدى فيه .. والمشرب الذى أشرب فيـه الجعة ، والحلاق الذى يقص لى شعرى .. وقد أبغضتها لهذا الفضول ..

وكانت الإنجليزية تعـود إلى البنسـيون متأخرة فى الليل مثلى .. كانت تسهر فى نادى الشركة ، وكانت غرفتى كمـا وصفت مستقلة ولها باب على السلم ، وكنت أدخل البنسيون بمفتاح معى من الباب الكبير ، لأننى لا أستطيع أن أمر على غرفة محروس أفندى وزوجته ..

واستيقظت ذات ليلة على نقر خفيف على الباب .. فتصورت أن زوجة محروس أفندى تنقر على الباب الذى بينى وبينها .. فتناومت ، وعاد النقر من جـديد .. وتسمعت وتبينت أنه على باب الغرفة الخارجى .. فنهضت وفتحت الباب .. فألفيت السيدة الإنجليزية على العتبة .. وقالت :
" أرجو المعذرة لإزعاجك .. فقد طرقت باب البنسيون فلم يرد علىَّ أحد .. ولا أحب أن أزعجهم أكثر من ذلك .. فتكرم علىَّ بالمفتاح الذى معك " ..

فتركتها واقفة فى مدخل الباب وأخذت أبحث عن المفتاح فى المكان الذى اعتدت أن أضعه فيه .. وطال بحثى ..
فقالت لى بصوت رقيق :
ـ ألا تجده ..؟
ـ آسف يا سيدتى .. تفضلى قليلا بالجلوس إلى أن أعثر عليه ..

ودخلت وجلست على كرسى قريب من الباب .. وبحثت فى كل جيوبى وفى كل الأدراج ، فلم أعثر على المفتاح ..
وقلت لها بعد اليأس :
ـ سأقرع أنا الباب ..
فقالت بلهجة مؤكدة :
ـ لا داعى لذلك يا اسماعيل أفندى .. وإن فعلت هذا سأذهب إلى أى فندق ..
ووقفت حائرا .. وسمعتها تقول :
ـ سأنام على هذا الكرسى .. إلى الصباح ..
فقلت لها :
ـ بل أنا الذى سينام عليه ..
وطال حوارنا .. وأخيرا رضيت بأن تحتل مكانى وأطفأت النور .. وأغلقت عينى .. وأحسست بها وهى تخلع ملابسها فى الظلام .. ثم ذهبت إلى السرير .. ومضت فترة طويلة ، وكان الظلام والسكون يخيمان على جو الغرفة .. ثم شعرت بها تتقلب على السرير ونزلت من فوقه فى هدوء .. واقتربت منى .. وشممت من فمها رائحة الخمر ..

***

وفى يوم الأحد جلسنا جميعا حول مائدة الغداء .. فنظرت إلىَّ زوجة محروس أفندى وقالت :
ـ كان فيه حرامى بيخبط عليك أول امبارح بالليل يا إسمـاعيل أفندى ..
ـ حرامى ..؟
ـ أيوه .. حرامى ..
ـ محستش بحاجة ..
ـ لازم أنا كنت بحلم ..

ونظرت إلىَّ وإلى الإنجـليزية فى خبث .. واتجهـت إلينا جميع الأنظار ..

***

وكان القبطان لايزال متيما بابنة صاحبة البنسيون ويكاد يجن بها ..

وفى غروب يوم من أيام الصيف دخلت الفتاة الحمام لتستحم .. وكانت تتصور أن الجميع فى الخارج .. فتركت باب الحمام مفتوحا ، ووقفت تحت الدش وأخذت تغنى ..

وسمعها القبطان وكان فى غرفته وقد أغلق عليه بابه .. وخرج إليها فى هدوء يتلصص حتى دخل عليها الحمام وهى عارية .. وصرخت الفتاة .. وجـاء على صوتها جميع سكان العمارة وأخذوا يضربون الرجل .. وكان أكثرهم ضربا له زوجة محروس أفندى ..!
====================================
نشرت القصة فى صحيفة الزمان 15/8/1950 وأعيد نشرها بمجموعة " حدث ذات ليلة " " وفى كتاب " قصص من القنال " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006
=================================

من السويس ـ قصة رجل على الطريق

رجل على الطريق

قصة محمود البدوى


اشتغلت وأنا فى العشرين من عمرى فى شركة من شركات الملاحة بالسويس براتب تافه ، كنت أسكن بنصفه ، وأشرب بالنصف الآخر جعة ، ولا أحفل بعد ذلك بشىء فى الوجود ، وكنت أقيم مع أسرة إيطالية تسكن فى منزل صغير على شط القناة فى بور توفيق ، وتعيش عيش الكفاف .

وقد كانت الحياة شاقة على شاب فى مثل سنى ونشاطى فى هذه المدينة الصغيرة التى ليس فيها شىء سوى القناة ، ومنازل الشركة المتناثرة على الشاطىء ، وسكانها جميعا من الأجانب الذين وضعتهم الأقدار العجيبة فى هذا المكان ، ولاصلة تربطهم بالمواطنين ولا مودة ولا إخاء .

على أن ولعى بالمطالعة ، وحبى للهدوء ، خففا مما كنت ألاقيه من وحدة ووحشة فى هذه الضاحية . وكنت أذهب كل مساء إلى السويس لأشرب الجعة فى مشرب صغير ، وأتمشى فى طريق الزيتية .. ثم أعود إلى بور توفيق لأنام .

وكنت أجد على رأس الطريق الموصل لبيتى رجلا غريب الأطوار ، يجلس على الحشائش قرب القناة وبجواره كلب ضخم وزجاجة فارغة ...! وكان الرجل يجلس ينظر دائما إلى ناحية القناة ، ويخط باهتمام فى دفتر أمامه .. ويجلس هكذا معظم النهار ، فإذا غربت الشمس حمل متاعه ومضى ووراءه كلبه واختفى فى الظلام .

وكان موضع السخرية من العابرين فى الطريق .. وكان أكثر الناس سخرية به العمال الذاهبون إلى ورش الميناء .. وما كان الرجل يعبأ بسخريتهم أو يحفل بكلامهم .. كان يمضى فى عمله ولا يجيب .

ولعلى كنت الوحيد الذى يمر به فى الصباح والمساء ولا يسمعه كلمة نابية ، ولذلك كان ينظر إلىّ فى استغراب ودهشة . وكنت أخرج لأتمشى كل أصيل ومعى كتاب .. وأتخذ طريق القناة عادة .. وأجلس هناك على كرسى حجرى أطالع ، والرجل على مقربة منى يكتب فى كراسته ، ودنوت منه ذات مرة ، وجلست إلى جواره فوق العشب ، وحييته فحيانى بهزة من رأسه وهو يبتسم ، ومر مركب فى القناة فانحنى على كراسته وكتب شيئا فى تمهل وعناية .

فسألته :
ـ ماذا تكتب ..؟
فنظر إلىّ بوجه ضاحك وقال :
ـ إننى أتلهى ..
ثم أضاف وقد لمعت عيناه بعض الشىء :
ـ لقد كنت ملاحظ " فنار " فى البحر الأحمر ، وكان هذا هو عملى فى النهار والليل .. أرقب السفن وأدون أسماءها ، وأنا أفعل هذا الآن بحكم العادة ، وأجد فى ذلك لذة تنسينى متاعب الحياة ..
ـ لاشك أن العمل فى المنارة وسط البحر ممتع للغاية ..
ـ جرب وسترى ..

ثم شاعت فى وجهه ذى التجاعيد ابتسامة عريضة وسألنى :
ـ هل أنت متزوج ..؟
ـ لا ..
ـ إذن فيمكنك أن تركب البحر إلى هناك .. ولا بأس عليك .. كتاب وفونوغراف ، وكل شىء سيمضى على سننه .. أما إذا كنت متزوجا فستعود من هناك نصف مجنون ..!
ـ وهل اعتزلت هذا العمل من مدة ..؟
ـ مدة طويلة جدا يا بنى .. منذ سنين وسنين ..
وتغير صوته وأطرق .. فأدركت أنه تذكر شيئا يؤلمه .. فتحولت بوجهى عنه ، وأخذت أقلب صفحات الكتاب الذى معى حتى أقبل المساء ، فحييته وانصرفت .

***

والتقيت به بعد ذلك كثيرا فى هذا المكان حتى توثقت بيننا مودة صادقة . وكان الرجل مخمورا أبدا ، وما رأيته غير ثمل فى نهار أو ليل ، وكانت زجاجة الخمر معه لاتبارحه قط ، وكان ادراكه الصحيح للحياة قد جعله لايعبأ بشىء مما تواضع عليه الناس ، فهو يسكر وينام فى الطريق .
وما رأيته متبرما بشىء ، أو شاكيا من شىء .

ورآنى مرة فى حانة صغيرة فى مدينة السويس .. أتحدث مع زوجة صاحب الحان .. فلما انصرفت المرأة لعملها جاء وجلس إلى مائدتى ..
وسألنى :
ـ لماذا تسكر فى هذه السن ..؟
ـ لأننى أشعر فى أعماق نفسى بالتعاسة
ـ إن هذا أحسن جواب لسكير ..!
ـ ولماذا النساء ..؟
فصمت ولم أقل شيئا ..
واستطرد هو :
ـ انك تسكر لأنك وحيد .. ولا رفيق ولا أنيس لك فى هذه المدينة الكئيبة ، ومع كل مساوىء الخمر فإنها قربتك منى ولم تجعلك تسخر من ضعفى ، وأنا أشرب على قارعة الطريق فى بور توفيق ، إنك تدرك الضعف الإنسانى لأنك إنسان ..!
ـ إن هذا لايغير من نظرة المجتمع إلى السكير ..
ـ هذا صحيح .. ولكنى أسكر رغم أنفى وكذلك أنت . وهناك شىء فوق إرادة الإنسان يربطنا بهذه الدنان .. وإن تشرب فى ساعة مظلمة من حياتك ثم تصحو .. إن هذا لاشىء .. ولكن النساء .. هذا شىء آخر .. إنك لا تستفيق من خمرهن إلا وأنت ساقط فى الهاوية ..

وجاء له الساقى بكأس فشربها وعض على نواجذه .. ثم أشــعل لفافـة من التبغ ، وأخذ يسرح الطرف فى سماء الحان ..

فسألته وأنا أنظر إلى وجهه وقد غضنته السنون :
ـ لماذا تركت البحر ..؟
ـ إنها الأقدار ..
ثم صمت .. وأمسك بالكأس البللورية الفارغة .. ورفعها إلى عينيه كأنه يقرأ فيها من لوح الغيب .
ثم سألنى :
ـ أركبت البحر ..؟
ـ ذهبت منذ سنتين إلى استامبول ..
ـ أشاهدت منارات فى الطريق ..؟
ـ أجل ..
ـ سأحدثك عن قصة منارة من هذه المنارات ..

ووضع الكأس البللورية على المائدة .. وأشعل لفافة أخرى وأقبل علىّ يتحدث :
ـ كنت أعمل فى منارة بالبحر الأحمر منذ سنين .. وكان معى زميل لى يساعدنى على العمل . أمضيت شهرين فى المنارة وسط البحر .. ولا شىء تراه هناك غير البحر .. وكنا نطالع ونصطاد السمك ، ونسمع الفونوغراف .. وننير المنارة فى الليل للسفن ، ونغنى ونفعل كل شىء لنتلهى . ولكنك فى ساعة من الساعات تحس كأن شيئا يثور ويضطرب فى أعماق نفسك ، فتكاد تمزق الكتاب وتحطم الفونوغراف .. وتشعر بسأم .. وتضيق ذرعا بكل شىء .. وتحس بالاختناق .. وتنظر ولا ترى حولك غير البحر ، وبينك وبين الأرض سفر أيام ، فى هذه الساعات كنت أجلس على سلم المنارة وأدلى بساقى فى الماء .. وأحلم بعرائس البحر التى قرأت عنها فى الأساطير .. وأتصور أن واحدة منهن ستطلع وتجىء إلىّ .. وتمر سفينة من بعيد ، وأنوارها ترقص على الموج ، وأتصور أننى أسمع ضحكات نساء .. ورقص نساء .. وأرى بعين الخيال واحدة منهن تتجرد من ثيابها وتتهيأ للنوم ، فيأخذنى السعار .. وأظل أفكر وأحلم فى المرأة .. ولا شىء غير المرأة .. إنها تأخذ عليك مسالك تفكيرك ، وتشغل حواسك ، فإذا رأيت شيئا أبيض يلوح فى سفينة من بعيد تصورته ساق امرأة .. وإذا أبصرت شيئا ينثنى على سطح مركب تصورته امرأة .. إنك تراها فى كل شىء ولا تراها ..

وكنت أنا وزميلى أحسن صديقين .. كنا نعمل فى صفاء ووئام .. وكان الطعام لابأس به ، ووسائل التسلية متوفرة .. أما إذا جن الليل وثارت الغريزة فقد انقلب كل شىء إلى جحيم .

وكان صاحبى متزوجا وكنت أعزب ، وكان يحب زوجته ويحدثنى كثيرا عنها ..

ومضت شهور ، واقترب موعد عودتى إلى السويس لأستريح فى الأجازة المقررة لأمثالنا .

وجاءت الباخرة التى ستقلنى إلى السويس ، وأعطانى صاحبى رسالة إلى زوجته .

***

وأمضيت أياما فى السويس ، والرسالة موضوعة فى جيبى حتى كدت أنساها .. وفى أصيل يوم ذكرتها ، فاتجهت إلى بيت صاحبى وكان فى أقصى المدينة .. وتقدمت فى الشارع الضيق ، وشمس الأصيل تضرب رؤوس المنازل البيضاء بأنوارها الساطعة ، وكل شىء يسبح فى الضوء الباهر .. ووقفت أمام البيت ، واجتزت العتبة ، ورأيت فتاة فى مقتبل العمر تمسح الدرج وقد شمرت عن ساقيها .. ولما رأتنى توقفت عن العمل ، ونظرت إلىّ فى سكون فاقتربت منها وسألتها وأنا مفتون بجمالها :
ـ أهذا منزل عبد السلام أفندى ..؟
ـ أجل ..
ـ أريد أن أقابل زوجته ..
ـ أنا زوجته ..

فابتسمت وظهر على وجهى الارتباك ، فما كنت أتوقع أن تكون زوجة صاحبى صغيرة وجميلة هكذا ..

رأيت أمامى فتاة فوق العشرين بقليل ، خمرية اللون سوداء العينين .. جذابة الملامح إلى حد الفتنة .

وعرفتها بنفسى وسلمتها الرسالة .. فأخذتها فى لهفة ثم ردتها إلىّ وهى تضحك وقالت بصوت ناعم :
ـ أرجو أن تقرأها لى فأنا لا أعرف القراءة
ـ وقرأتها لها فأشرق وجهها وزاد سرورها ..

ثم طوت الرسالة وقالت وهى تشير إلى الداخل :
ـ تفضل ..

ودخلت وجاءتنى بعد قليل بكوب من الليمون
وأخذت أحدثها عن البحر ، وعرائس البحر .. حتى أقبل الليل فحييتها وانصرفت وأنا جذلان طروب .

***

وبعد أيام التقيت بها عرضا فى السوق ، وكانت معها سيدة وفتاة أصغر منها قليلا .
وسلمت علىّ فى بشاشة وقالت :
ـ لماذا لم تزرنا ..؟
ـ سأزوركم طبعا ، قبل عودتى إلى المنارة ..
ـ وقبل ذلك ..؟
ـ وقبل ذلك .. !
ـ سلم على أمى وأختى .. إنهما قادمتان من بور سعيد لزيارتى .. وقد حدثتهما عنك ..!

وسلمت على أمها وأختها ، ومشيت معهن إلى البيت ، وبقيت معهن حتى ساعة الغداء ..

***

وذهبت إلى الإسماعيلية ، وأمضيت فيها أياما .. ورجعت إلى السويس ، وفى أصيل يوم مررت بمنزل زينب زوجة صاحبى لأخبرها بموعد عودتى إلى المنارة حتى أعطيها فرصة لتعد بعض المأكولات لزوجها ، ووجدتها فى البيت وحدها ، كانت أمها وأختها قد سافرتا .. وشعرت وأنا جالس فى الحجرة بالسرور والارتياح .. وهذه مشاعر لم أستطع تعليلها ..

وكانت زينب تلبس رداء أزرق بسيط التفصيل .. وقد صففت شعرها وعقدته جدائل فوق ظهرها ، وكانت تعصب رأسها بمنديل أزرق كذلك ، وفى عينيها كحل خفيف ، وعلى خدها الأيمن حسنة . ولما جاءت إلىّ بفنجان من القهوة ، ومددت يدى لأتناوله من يدها ، شممت من جسمها روائح الطيب ، فتنبهت حواسى ، ونظرت إليها وكأننى أراها أمامى لأول مرة ..

ولأول مرة أشعر بقلبى يدق وأنا معها فى غرفة واحدة والعرق قد أخذ يتصبب على جبينى ..!

ومالت الشمس إلى الغروب ، ونهضت لأنصرف فقالت وهى تنظر إلىّ :
ـ لماذا أنت مستعجل ..؟
ـ الليل قد أقبل ..
ـ إن هذا أدعى لبقائك لأننى وحدى فى البيت ، فانتظر حتى تأتى خالتى أم اسماعيل ..
وبقيت .. وظللنا نتحدث .. حتى مضت فترة من الليل .

ووجدت أمامى أنا الشاب القوى الذى يعانى مرارة الحرمان امرأة ناضجة محرومة مثلى ..
كان فى نظراتها تكسر ولين

وكان جسمها يروح ويجىء أمامى وهى فى أحسن مجاليها ، فأخذت أنظر إليها ، وأنا مستغرق فيها بحواسى ومشاعرى جميعا ، ونسيت أنها امرأة صاحبى ، نسيت هذا وذكرت أننى وحيد فى قلب الليل مع امرأة أشتهيها من كل قلبى .

ودون أن ندرى ما حدث كانت بين ذراعى وكنت أرتوى منها .
وغرقنا فى النشوة فلم نحفل بأحد .

وأصبحت أقابلها كل يوم ..

***

ولما حان موعد عودتى إلى المنارة حملتنى هدية لزوجها ، وودعتها وفى قلبى جمرات من نار .

وذهبت إلى المنارة وأعطيت الهدية لصاحبى وسألنى عنها ، وكان يتلهف على كل كلمة يسمعها منى .. كان يحبها إلى درجة العبادة .. سألنى عن صحتها وأحوالها ، وأخذت أجيبه على مئات الأسئلة التى أمطرنى بها ، وكان من فرط ولهه يود لو يقبل يدى لأنها لمست يدها ..!
وحل موعد عودته فتركنى ورحل ..

وكنت فى خلال ذلك أعانى عذاب السعير ، وأتصورها بين ذراعيه فأكاد أجن ..

وانتهت أجازته وعاد .. ورأيته يصعد سلم المنارة بعد غيبة ثلاثة شهور .. وكدت أنكره .. فقد تغير .. إذ ظهر على وجهه الشحوب والذبول وحيانى فى فتور .. ووضع متاعه فى جانب من المنارة .. وصعد إلى البرج .. وهو صامت ..

وجلست بعد هذا أفكر وأسائل نفسى .. ما علة تغيره ؟ هل عرف ..؟ هل علم بكل شىء ..؟ ما أشد جنون المحبين ! إنهم يتصورون أن الناس لاتعرف عنهم شيئا .. وسيرتهم تدور على السنة الناس . إن الحب يعميهم عن ادراك الحقائق .

وكان عليه أن يسهر فى البرج ، وعلىّ أن أنام لأحل محله بعد ذلك .. واستلقيت على الفراش ولكنى لم أنم .. كانت نظراته إلىّ ترعبنى .. وكنت أخافه .. كان أشد منى قوة .. فأغمضت عينى نصف إغماضة وسمعته يهبط السلم .. ويدور فى الغرفة الصغيرة حتى وقف على فراشى ، وتظاهر بأنه يبحث عن شىء وعاد إلى البرج ..

وبعد ساعة سمعته يهبط السلم مرة أخرى .. ورأيته يتجه نحوى .. وكانت فى يده قطعة من الحديد .. إنه يود قتلى .. ودون أن نتبادل كلمة واحدة تشابكنا فى عراك دموى ، وظللنا نقتتل حتى لم تبق فينا قدرة على الحركة ، ورحت فى غيبوبة طويلة .. ولما فتحت عينى ونظرت إليه كان الدم يلطخ وجهه ، وكان صدغه قد تهشم من ضربة قاتلة .. فأدركت هول ما حدث وأغمضت عينى ..

***

نمت على الأرض وهو بجوارى فاقد الحراك .. ونظرت إلى السماء فوقى ، وإلى البحر الصاخب من حولى ، وإلى الظلام الذى تضل فيه الأبصار ، واستعرضت فى ذهنى صور حياتى إلى أن التقيت بصاحبى هذا .. وجمعتنى الأقدار معه فى عمل واحد .. وامرأة واحدة ..!

وبكيت وماتت فى نفسى كل عواطف البغضاء .. وودت لو أفتديه بحياتى .. وأخذنى بعد قليل ما يشبه الدوار .. ثم فتحت عينى ، وتصورت أن الجثة تتحرك وأنها اقتربت منى .. وكنت مشلولا ولا أستطيع الحركة .. فتملكنى غيظ مستعر ، وجعلت أصر بأسنانى ، وأهذى كالمجنون ، وأصرخ بأعلى صوتى .. ولكن موج البحر كان أعلى من صوتى .

كان يزمجر وكنت أصرخ فيختلط الصـوتان معــا ويذهبان أباديد ..

وظللت ساعة كاملة وأنا فاتح عينى ومعلق بصرى بالجثة .. وقد عجزت عن كل حركة .. وخيل إلىّ أنها انتفخت .. وأن وجهه يزحف عليه النمل .. والهوام ! وازددت كراهية لها ونفورا .. وخطر لى خاطر لماذا لا أدفعها إلى البحر .. وأتخلص من هذا العذاب ..

وزحفت بجسمى كما يزحف الثعبان .. وحاولت أن أدفع صاحبى فلم أستطع .. فتمددت فى مكانى وبصرى إلى النجوم .. إن الليل مرتع للهواجس .. فإذا طلعت شمس النهار ذهبت هذه الخواطر المرعبة أباديد .. ولكن متى يطلع الصبح ..؟

لقد كنت أرتعش وأصر بأسنانى ، وأشعر بجفاف حلقى .. ولما صحت بأعلى صوتى كان صوتى قد انقطع .. فأغمضت عينى وأخذت أبكى كالأطفال .. وكنت كلما أغمضت عينى ازداد سمعى حدة .. وخيل إلىّ أننى أسمع صياح مردة فى برج المنارة وعواء ذئاب .. ووضعت أصابعى فى أذنى .. ولكن هيهات كان الصوت قويا ، وكان يجلجل فى البرج .
وارتعشت .. وتصبب العرق وأخذنى الدوار .

***

ولما فتحت عينى ، كان النور قد غمر الكون .. وظللت طول النهار فى مكانى ، وأنا أتلوى من الألم والعذاب . . وكلما أدرت وجهى عن رفيقى .. عدت برغمى أنظر اليه وأرتعش .. حتى طار صوابى .

ومرت مركب فى المساء .. ولاحظت انطفاء المنارة .. فاقتربت وحملتنا .. هو ميت وأنا أشبه بالموتى .

وسجنت .. وخرجت من السجن .. وذهبت إلى كل مكان لأتلهى وأنسى .. ولكن صورة البحر بأمواجه وأشباحه والمنارة المنطفئة .. والزميل الراقد بجوارى لاتبارح مخيلتى أبدا ..
إننى معلق هناك بخيط لايرى ..
=================================
نشرت القصة بمجموعة " العربة الأخيرة " مكتبة مصر ط 1948" وأعيد نشرها فى كتاب " قصص من القنال " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006

=================================

من السويس ـ قصة الخنزير

الخنزير

قصة محمود البدوى

اشتغلت فى غمرة الحرب العالمية الثانية فى شركة البحار السبعة للتأمين البحرى ، وهى شركة كبيرة لها فروع فى معظم الموانىء المصرية ، وكان مكتب الشركة فى بور توفيق .. وتشغل الشركة خمس أو ست حجرات فى طابق أرضى على شاطىء البحر .. وكانت غرفتنا تطل على القنال ..

وكنت فى حجرة صغيرة مع أربعة آخرين فيهم مصرى آخر وفتاتان أجنبيتان .. وكان العمل فى الشركة يسير منتظما وسريعا .. ولكن الإيراد قل بسبب الحرب ، والمراكب تحولت عن القناة ودارت حول رأس الرجاء الصالح .. ومع ذلك كنا نعمل فى الصباح وبعد الظهر ..

وكان رؤوف " بك " مدير الشركة فى السويس رجلا ضخم الجسم ، مدور الوجه ، أصلع الرأس ، حاد النظرات ، صارما ، عابس الوجه أبدا من أصل تركى ، وكان يكره المصريين ويحتقرهم ..

وكان يقرأ فى الصحف ويسمع الراديو ، وهو يذيع غرق البواخر فيثور .. ويصب نقمته علينا .. وكان يجىء فى الساعة التاسعة صباحا من كل يوم ومعه كلب أبيض .. وكان منزله قريبا من الشركة ، فكان يقطع هذه المسافة مشيا على الأقدام .. وكان الكلب يظل معه فى المكتب ساعة أو أكثر .. ثم يدخل علينا به .. ويشير على واحد منا بأن يعيده إلى البيت ..

وكان فى المكتب فراشون وسعاة .. ولكنه كان يتعمد أن يكلفنا بهذا العمل ليذلنا . وكان يدخل علينا المكتب مرة أو مرتين فى اليوم ، ولم نكن نشعر به اطلاقا وهو داخل ، كان كأنه يزحف بجسمه الضخم على بطنه ، ولم يكن يسمع لصوت أقدامه حس ..

وكان مع جهله وغبائه ، يسمعنا كلاما موجعا .. ويحب أن يرى كل واحد مكبا على عمله .. وكان ينتقد كل ما نقوم به من عمل ، وكنا نكرهه ونود أن تبتلعه الأرض ، كما كنا نكره الكلب الذى يذلنا به أكثر من صاحبه ، وكان يسكن فى فيلا أنيقة من طابقين .. ومتزوجا من صبية أجنبية لا تتجاوز الثلاثين ربيعا ، وكان لمنزلهما حديقة أنيقة تحيط بها مناظر غاية فى الروعة ..

كان المدير متأنقا فى ملبسه وله كرش ضخم يزحف به إلى الأمام .. يجيد كل اللغات ويذهب إلى نادى الجعران كل ليلة .. وهو ناد أرستقراطى .. يذهب إليه ليرقص ويلعب القمار ويتظاهر هناك وسط الفرنجة بوجاهته وغطرسته ..

وكانت زوجته تذهب معه أحيـانا ، ولكن غالبا ما كانت تبقى فى فيلتها الأنيقة ، أو تخرج بزورقها الصغير فى عرض البحر للنزهة . وكانت " اسبور " أنيقة حالمة ، وكانا يعيشان معا شبه منفصلين ، فقد كان لكل منهما هوايته فى الحياة ..

هو مقامر فظ الطباع ، يحب المجتمعات .. وهى منفردة وادعة ، تحب الطبيعة ومجاليها الرائعة .. تجلس فى النهار فى حديقة منزلها تطالع أو ترسم بعض اللوحات الفنية ، وفى الغروب تخرج بزورقها فى عرض البحر ..

كنت إذا رأيتها فى وسط الزورق وهى واقفة عند الدفة ، وقد حلت جدائل شعرها ، واستقبلت الشمس الغاربة بوجهها ، تحسبها حورية خارجة من البحر ..

***

وكنا نمضى الأيام فى حياة رتيبة فى بور توفيق والسويس .. والحرب دائرة على أشدها .. وهزائم الإنجليز تترى فى كل مكان ، وجنودهم فى الموانىء المصرية مذعورين كالجرزان .. يصخبون ويعربدون .. وكلما توالت هزائمهم اشتد ضجيجهم وصخبهم وهم يسكرون ويمرحون فى المدينة ..

وكانت الفتاتان اللتان تعملان معنا فى المكتب قد انطلقتا مع هؤلاء الجنود وصحبت كل واحدة فى نزهتهـا أختهـا الصغرى والكبرى ..
وأحيانا أمها ..! كان كل شىء يدور فى طاحونة مادية ..

كان الناس يعيشون بحسهم ويلمسون أوراق البنكنوت بأيديهم ، وهم يحسبونها كل شىء فى الحياة ..

***

وكنت أذهب إلى منزل مدير الشركة وأحمل إليه بعض الأوراق ، أو أحادثه فى بعض الشئون ، وكان دائما يحب أن يظهرنا أمام زوجته فى مظهر العبيد .. وكنا نتحمل هذه الاهانة بغيظ مستعر ..

وكنت أراها صباح كل يوم وأنا ذاهب إلى المكتب جالسة فى حديقة منزلها فأحييها ، وكانت ترد تحيتى باسمة ..

ومضت الأيام رتيبة مملة ، وكنت أسكن فى شقة صغيرة فى بور توفيق ، وندر ما أذهب إلى السويس ، وكان الظلام يلف المدينة فى وشاحه الأسود فى الليل ، والهدوء المطلق المخيم عليها فى النهار ، وكنت أقضى النهار فى المكتب ، وبعد الغروب أتمشى فى المدينة ثم أذهب لأنام .. وكنت أمشى دائما على شط القنال حالما مفكرا ..

كان كل شىء يدل على أن هذه الحرب ستطول ، وأن هذه المجزرة البشرية ستنتهى على أبشع صورة .. وكان وجود هؤلاء الذين يسمون أنفسهم جنود الحلفاء فى هذه المدينة ، وفى غيرها من المدن المصرية ، يحملنى على الغيـظ المسـتعر .. ومنظرهم يبعث القرف إلى نفسى ..
وكنت أتمنى هزيمتهم على أبشع صورة .. انهم يمثلون الظلم والاستعباد والفساد بكل صوره البشعة ..

وكنت أتمشى ذات ليلة على شط القنال كعادتى عندما لمحت زوجة مدير الشركة واقفة بزورقها على بعد قليل منى ، وكنت أود لو أغير طريقى ، ولكنها رأتنى وهتفت بى فى صوت حلو .. فاقتربت .. وكانت واقفة فى وسط الزورق وقد ألقت مرساه إلى الشاطىء .. وكانت ترتدى بنطلونا أزرق وقميصا قصير الأكمام .. ووجهها يلمع وعليه آثار عرق كأنها كانت تعانى جهدا مضنيا ..

وقالت وعيناها مصوبتان إلىَّ :
ـ مراد أفندى ..
ـ نعم ..
ـ اللنش تعطل ..

واقتربت من الزورق صامتا دون أن ألقى نظرة عليها ، وحاولت إدارة الماكينة فلم أستطع ، فقلت لها وأنا يائس :
ـ خليه إلى الصباح ..

وخرجت من الزورق ولامست أقدامها الأرض المعشوشبة .. وتسلقت المنحدر ، واستوت على الطريق ..

وعلى رأس المنحدر سمعتها تنادينى ، فتقدمت نحوها ..
ـ تعال روح معايا .. أنا خايفة ..
ـ خايفة ..؟
ـ أجل .. من الظلام .. ومن الجنود السكارى .. أرجوك ..

ومشيت معها .. وكان الظلام رهيبا حقا .. ولم يكن هناك شىء يسمع والساعة تقترب من الثامنة مساء .. والطريق الطويل الذى يطوق المدينة قاتما موحشا ، وهى تسير بجانبى صامتة .. وترمينى بين فينة وأخـرى بنظرات جانبية طويلة .. وكنت أرى عينيها تلتمعان فى الظلام ، ووجهها يلمع بوضوح فى الليل الساكن ..

كانت طويلة القامة رشيقة الحركة .. وكان جسمها لينا مرنا ، وحركتها رشيقة ، وبدا لى وأنا سائر بجوارها أن أرى أينا أطول فاقتربت منها حتى كاد يلامس كتفى كتفها .. وقبل منزلها بشارعين .. توقفت وهممت بالانصراف ..
قالت :
ـ تعال لغاية البيت أرجوك ..
وألحت .. فرفضت ..
ـ أنت خايف منه ..؟
ـ طبعا ..
ـ هل يخيفك هذا الثور ..؟ انه لاشىء فى نظرى ..!
ـ ولكنه فى نظرنا كل شىء ، انها لقمة العيش ، وأنت لاتعرفين الفقر أو الجوع ..
ومدت يدها .. وقالت بصوت حلو :
ـ شكرا ..
وسلمت عليها وانصرفت وابتلعنى الظلام ..

***

وكنت كلمـا ذهبت إلى منزلها لبعض العمل استبقتنى لتتحدث معى .. وكانت تكلفنى ببعض أعمال صغيرة ، وتسر جدا عندما أقوم بها على وجه سريع ..
ومضت الأيام ..

وذات مساء .. رأيتها خارجة بالزورق فى عرض البحر ، ولما شاهدتنى من بعيد .. أشارت إلىَّ بأن أقترب .. ولما اقتربت منها ألقت بالزورق إلى المرساة ودعتنى إلى الركوب ..
فرفضت وألحت ..
فقلت لها :
ـ ان هذا جنون ..! قد يشاهدك أحد ..
ـ سأسير بالزورق إلى نهاية المدينة من الشمال وانتظرك هناك ..

ولم تسمع جوابى وسارت .. وتبعتها وأنا مدفوع بقوة لاقبل لى على ردها .. ووجدتها راسية هناك فى جوف الخليج ، فركبت بجوارها وسارت فى عرض البحر .. وبعد قليل أوقفت المحرك ، وقالت وهى تنظر إلىَّ :
ـ دعنا نتمتع بجمال الطبيعة المحيط بنا ..

ولم يكن هناك جمال حولى سواها .. وأشعلت سيجارة وزمتها بين شفتيها الحالمتين ، وكانت تعرف أننى لا أدخن ، ومع ذلك قدمت لى سيجارة فأشعلتها ، وأنا أنظر خلال الدخان الأزرق إلى أعماق عينيها وأغوار نفسها ..

وسألتنى وقد ألقت بنظرها بعيدا ..
ـ أتحب الحياة ..؟
ـ أجل ..
ونظرت فجأة إلى شىء أسود يطفو على الماء ..
ـ أنظر ..
ونظرت إلىَّ فى خوف ..
ـ لا تخافى .. انه حيوان القرش ..
ولكنها ارتعدت وارتمت على صدرى والتصقت بى .. وبعد برهة وجدت شفتيها تحت شفتى ، فضغطت عليهما فى عنف وغبنا عن الوجود ..

***

ومضى اسبوع كامل لم أرها فيه ، وانشغلت بالحياة وما يجرى فيها فنسيتها ..

وذات غروب كنت نازلا من سلم بيتى الصغير فشاهدتها مارة فى الشارع .. وانتظرت حتى اقتربت منها وسألتنى :
ـ أهذا بيتك ..؟
ـ نعم ..
ـ ما أجمله ..؟
ـ ..........
ـ أتقيم وحدك ..؟
ـ أجل ..
ـ غدا سأخرج بالزورق .. وانتظرك هناك ..
ـ أرجوك أن تعفينى من هذا أرجوك ..
ـ ألا تزال تخاف من هذا الخنزير ..
ـ طبعا ..
ـ انه ليس برجل على الاطلاق ، سأنتظرك غدا عند الخليج .. بعد الغروب ..

***

وترددت فى الذهاب ، ثم ذهبت أخيرا وكانت هناك .. وكانت لى بكل جسمها ونفسها ..

ولمحت وأنا خارج معها من الزورق شخصا يرقبنا عن بعد ثم يختفى فى الظلام ، وكان فى شكله ومشيته بعينه زوجها ، ولكننى كتمت ما رأيت عنها .. واضطربت ضربات قلبى ..
وودعتها وفى رأسى خواطر مروعة ..

***

وذهبت إلى المكتب فى الصباح وأنا أحاول أن أبدو طبيعيا ، واجتهدت أن أقرأ شيئا على ملامح الرجل يدل على أنه كان يراقبنا ليلة أمس .. ولكننى وجدته على حاله ، فأيقنت أننى أخطأت النظر واطمأن قلبى ..

***

وأخذت تجىء بعد ذلك كلما سنحت لها الفرصة ، وكنت أحذرها من مغبة هذا ، ولكنها كانت لاتسمع كلامى ..
وسألتنى مرة :
ـ أتحبنى يا مراد .. أم تنتقم منه فى شخصى ..؟
ـ أقول لك الحق .. أننى لا أعرف ..
ـ وظهر على وجهها الغضب ، وارتدت وشاحها .. وخرجـت معها إلى الباب الخارجى .. وفوجئنا ونحن نجتاز العتبة بزوجها فى أسفل الدرج ..

ونظر إلىَّ باسما ثم أخرج غدارته فى لمح البصر وصوبها .. وارتمت هى فى تلك اللحظة على صدرى ، فأصابتها الرصاصة وهوت إلى الأرض ، وأخرجت مسدسى وأطلقته سريعا وأطلق هو .. ورأيته وهو ساقط ..
وسقطت أنا على حافة السور مثخنا بالجراح ..

====================================
نشرت القصة فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " عذارى الليل " سنة 1956وفى مجموعة " قصص من القنال " ـ مكتبة مصر
====================================

الخميس، ٦ مارس ٢٠٠٨

من السويس ـ قصة الصياد

الأدب المصرى فى حرب5 يونية 1967

الصيـــــاد

قصة : محمود البدوى




أبحر الزورق فى الخليج .. ومنذ اندلعت نيران الحرب "وشعبان" لايبـعد فى الليـل .

كان يصطاد قريبـا من الساحل متحاشيا الموج ما أمكن ، وكانت الظلمة شـديدة ولكن الريح كانت رخـاء .. فأرسل الزورق على سننه .

وأخذ يرمى الشبكة وهو جالس فى المؤخـرة .. وكان يمنى النفس بصيد كثيرقبل أن ينتصف الليل .. فلم يكن منذ نشب القتـال يتأخر عن زوجته وابنائه الصـغار . كانت صورهم لا تبعد عن ذهنه أبدا وهو فى قلب البحر .. انهم امتداد له وحياة ..

خلف مدينة السويس وراءه غارقة فى الظلام ولا يبدو من بيوتها البيضاء ومآذنها وأعمدة مصابيحها .. إلا ظلال فى العتمة الشاحبة .

وبدا شاطئا القناة من بعيد فى سواد الأبنوس .. وغابت الأشجار التى على الشط الغربى من بور توفيق فى الظلمة وانطمست معالمها ..

وأخذ شعبان يحرك الزورق بلين .. ولجة الماء دكناء ساكنة وغيـاهب الليـل تتساقط فى كل ساعة تنقضى وتصبح كريش الغراب .

وفجأة أحس أن الشبكة أمسكت بشىء .. فقد اهتزت فى يده بعنف .. وخشى أن يمزق الصيد الشبكة لضـخامته وقوته .. فأرخى الحبـل حيث جرته السمكة واتجه إلى الشرق .. تسـحب فى لين وراء السمكة الكبيرة .. التى أحس بها تنتفض فى عنـف وخشى أن تكون من صنف القرش فيذهب كل تعبه هباء وتصبح الليلة لا نفع منها ولا جدوى فيها .. تصبح ليلة من ليالى النحس .

واشتد الجذب فأرخى الحبل .. أرخى وهو يحس برجفان قلبه وظـل يطامن حتى وجـد نفسه يقترب من شط القناة الشرقى ويسير بحذائه فى هوادة ولين ، حابسا ما أمكن صوت المجاديف .

كان يعرف أن المعركة فى هذا الساحل وأن القتال يدور على اشده هناك .. وأخـذ يسمع بوضوح صوت القنـابل التى تلقيها الطائرات وصوت المدافع .

كان شعبان يعيش فى قلب المعركة بكل حسه ووجدانه .. لم تكن بعيدة عنه أبدا فقد بدأت يوم الإثنين .. واليوم هو الأربعاء ثالث أيام المعركة ، والقتال يدور فى عنف وكان يتبعها بحواسه وإذا سمع نبأ سيئا ثار وعض على نواجذه ولم تمنعه الحرب عن السعى وراء معاشه ولكنه كان يخرج فى الليل مسلحا ببندقية سريعة الطلقات يتقى بها الشر أينما كان ..

وفى اللحظة التى أحس فيها بغريزته كصياد أن الشبكة صادت شيئا ضخما لم يحدث له فى حياته .. انتابته نشوة عارمة .. وكان لايود أن يفلت منه هذا الصيد أبدا .. فلما جذبته شرقا طاوعها واتجه بالزورق إلى الشاطىء الشرقى .. كان لايريد أن يضيع منه الصيد بعد هذه المشقة .

وأخذ يسحب الشبكة بيد الصياد الماهر .. وقد خيم السكون فجأة وخيل إليه أن الحرب قد توقفت .

خيم سكون ذهل له .. وخيل إليه فى قلب الظلام أن المدينة ستتلألأ فى هذه الليلة كما كانت قبل الأيام الثلاثة .. ستتلألأ كما كانت من قبل وتزهو وترقص قناديلها كلما مايلتها الريح ..

***

وعندما اقتربت الشبكة من القارب ورأى بعينيه السمكة الكبيرة التى اصطادها شعر بفرحة .. إنها ليلة من ليالى الخير .

وأخذ وهو نشوان يخـرج السمكة من الشبكة ويضـعها فى بطن القارب .. إنها ضخمة بشكل مهول ، ومن أكبر الأسماك التى اصطادها فى حياته كصياد .

***

وفجأة سمع أزيزا عنيفا وحلقت طائرة فوق رأسه .. فاضطرب أولا ولكنه تماسك وحدق فى الظلام فبصر بأجسام طويلة تسقط من الطائرة فى مجرى القناة .

ودوت المدافع المضادة وتكهرب الجو .. واستمر القصف مدة .. ثم سكن ..

وظل الصياد يتحرك فى المياه الهادئة وهو قريب من الساحل ، وسمع فجأة اشتباكا على الأرض قريبا منه وطلقات رصاص .

فلما اقترب بالقارب من الموقع والظلام يخيم على البحر واليـابسة .. بصر بجندى مصرى من جنود السواحل مشتبك مع دورية اسرائيلية فى قتال رهيب .. ومع أنهم أكثر منه عددا ولكنه ظل صامدا وقتل منهم واحدا وجرح آخر .. وكان منبطحا وراء كثيب من الرمل .. والرصاص يتطاير حوله .

ودفع الصياد الزورق إلى الشاطىء ونزل منه سريعا واقترب من الموقع زاحفا ببندقيته حتى كمن بجانب الجندى المصرى وأخذ يشد أزره على القتال والصمود وكان الجندى قد جرح جرحا بليغا فى هذه اللحظة ولكنه ظل مع ذلك يطلق النار ثم سكتت بندقيته .

وظل الصياد يقاتل وحده حتى سكتت كل بنادق العدو .. وخيم السكون وظل فى مكمنه قابعا بجوار رفيقه مدة ثم رأى أن يغير المكان .. فنهض وتلفت حواليه ليتخير الموقع الذى سينتقل إليه .. وهنا سمع انفجارا رهيبا فى البحر وطار زورقه وتمزقت شباكه ولم يحزن كثيرا .

وتقدم حتى اقترب من جندى السواحل الجريح .. كان لايزال ينـزف دمه .. وغسل جراحه وحمله على ظهره وسار به فى الليل محاذرا متوقعـا فى كل خطوة أن يقـع فى أيدى الأعـداء الذين انتشروا فى الصحراء ، وكان الرصاص يتطاير حواليه وخلفه .

سكن الليل بعد القذف واللهب المنبعث من الأرض والسماء .. سكن الليل .. سكون الموت .. وكلما سار الصياد بالجنـدى خطوات طلب منه هذا أن يضعه على الأرض ويمضى لسبيله وإلا سيقع الإثنان فى أيدى الاعداء .. ولكن الصياد كان يرفض بإصرار ويتصبب عرقا .. وهو يسير باذلا من الجهد فوق كل طاقات البشر .

كان ينظر إلى الشاطىء الغربى والليل قارب على منتصفه والظلام يخيم ولا مغيث ..

قد تمر عليهما دوريات الأعداء وتمزقهما بالرصاص ..
وظل يسير وهو يحمل الجريح والريح تصفر فى الصحراء ..

كان شعبان يحس بثقل الجسم على عاتقه وبتعبه الشديد وانقطاع انفاسه ولكنه كان لايريد أن يضع الجريح على الأرض أو أن يستريح خشـــية أن يعـطل ذلك إسـعافه وإنقــاذ حياته .. ولأول مرة يعرف قيمة النفس البشرية والحرص على بقائها وبذل كل سبيل لإحيائها .

لكم خرج فى الليل يصطاد الحيتان ، ولكم قاسى فى الليالى الحالكة ، ولكم خاطر بحياته ليأتى بطعام أولاده .. ولكم شعر بالفرحة بعد الجهد والعرق ..

ولكنه لم يحس بمثل السعادة التى يحس بها الآن .. وهو يحمل جنديا جريحا .. قاتل ببسالة ..

ولم يكن وهو يحمله يفكر فى تعبه قدر تفكيره فى انقاذ روحه .

ولأول مرة فى حياته يحس بأنه وحدة واحدة فى عالم كبير .. وأنه جزء من كل .. وأن التعاون عضد الحياة ..

***

وطال السير فى الليل والظلام .. وبلغ المرحلة التى أحس بعدها الصياد بأنه لا يستطيع أن يتقدم خطوة أخرى .. وأنه آن له أن يلقى بالحمل على الرمال .. ويتخفف هو من ملابسه .. وقد يجد شيئا يستعين به على أن يعبر القناة إلى بور توفيق ، أما أن يربط حياته بهذا المخلوق الميت .. فذلك فناء وسيموتان معـا .. أى سـلسـلة ربطتــه به ، لابد من فكها ..
وتمهل جدا .. وفى ظل كومة من الرمال وسد الجريح بعناية كما يوسد الموتى تماما ، وجعل وجهه للقبلة وقرأ الفاتحة فى صوت خافت .. ثم القى عليه نظرة أخيرة وانطلق فى الرمال .

وكان الظلام يلف كل شىء فى شملته .. والريح تسفى الرمال ومياه قناة السويس ساكنة على شماله .. وغياهب الظلام تزداد كثافة ..
وسمع طلقات النار مرة أخرى

ولكنه كان مطمئنا بأنه سينجو وسيعود إلى بيته كما خرج منه .. ولكن كيف يعود .. ويترك رجلا من وطنه ينزف دما .. ولا تزال فيه الروح .. كيف يتركه هناك وحده .. أحس بأن قدميه تغوصان فى الرمال ومسح عرقه ..

ورجع الى الجريح فحمله مرة أخرى وسار به قرب الشاطىء .

***

وفى وضح الفجر .. رآه صياد آخر عن بعد ولوح له شعبان بيده فحول الصياد الزورق إليهما والتقطهما .. وظل شعبان يحكى ما جرى له للصياد الآخر ويحكى ..
===============================
نشرت القصة فى كتاب " السفينة الذهبية " لمحمود البدوى 1971 وأعيد نشرها فى كتاب " قصص من القنال " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006
===============================

من سيناء ـ قصة طلقة فى الظلام


طلقة فى الظلام

قصة: محمود البدوى




كانوا ثمانية خرجوا فى الظلام من مدينة "العريش" والعدو على مبعدة ثلاثة كيلو مترات منها .. وهدير القصف يسمع فى كل مكان ..

وعندما تجاوزوا حدود المدينة وجدوا خلقا كثيرا يتحرك مثلهم إلى الغرب ..

واكتسحت الجموع الطريق الضيق ، كانوا يسيرون فى مشقة ، وقد اختلط الحابل بالنابل ، والرجال بالنساء ، والأطفال بالشيوخ ، والعذاب يلفهم فى كل خطوة .

كانت الحرب تتحرك بسرعة رهيبة .. والحياة نفسها تتحرك فى قلوب هؤلاء المشردين بسرعة ولهفة ..

وكانت السيارات قد اختفت عن المنطقة كلها ، أخذها من سبقهم إلى الفرار .

والطريق المألوفة قـد خربت بالقنابل لتعوق المدرعات من الانسحاب ، فاضطر الأهالى إلى الاتجاه إلى البحر ، والتفرق فى صحراء سيناء ، وساروا على وجوههم .. وكانت الأرض والسماء ملفوفتين بالدخان والنار .. والطيور تطير مذعورة وريح الصيف تزفر نارا وبخارا ..
وكان القلق يعصف برؤوسهم ..

وظلوا يسيرون طوال الليل ، والقنابل تتناثر حولهم ، ودوامات الرمال تثور فى وجوههم والفراغ الرهيب الذى يحدث من الانفجار يعريهم من ثيابهم ، ويطير متاعهم من أيديهم ..

***

ورغم تفكك الجموع .. ظل الثمانية كما هم .. وكانوا جميعا من الموظفين المصريين الذين يعمـلون فى العريش ومن بينهم سيدتان .

ورغم تزايد عدد الرجال على النساء فى هذه الرحلة الرهيبة فقد استراحت المرأتان إلى الصحبة .

ولم تكن بين هذه الجماعة أية علاقة عمل أو جوار .. ولكنهم اجتمعوا على الطريق لغرض واحد ..

وساروا أولا حـذاء البحر ، والنخيل الكثيف النابت فى الماء على يمينهم يتمايل ويلطف الجو كله . فلما جاءتهم أنباء بنـزول الأعــداء من ناحـية البـحـر ، غيروا اتجاههم ودخلـوا فى الصـحراء .

وبعد نهار خانق وشمس حامية ، ورمال حارقة .. عثروا فى الليل على سيارة قديمة ، وقبل سائقها بعد مساومة طويلة ، وبعد الضراعة ، وكل ضروب التوسل .. قبل أن يحملهم إلى القنطرة شرق وهم وحظهم فى العبور .. !

وتقاضى منهم الأجر مقدما قبل أن يضعوا أقدامهم فى العربة .. تقاضى منهم أجرا باهظا كأنه سينقلهم إلى أوربا .. ودفعوا صاغرين ولم يتعجبوا إنها دقات الحرب ونوازعها الشريرة فى النفوس الوضيعة .

وقال السائق القصير العنق ، النمش الوجه ، الأحمر الشعر ، بعد أن تحرك بالسيارة فى طريق ملتوى يعرفه أمثاله :
ـ سنتعرض فى الطريق للتفتيش .. فقد نزلوا بالمظلات وهم الآن أمامنا .

ونظر للسيدتين بخبث فالتهب وجهاهما .
ثم أضاف :
ـ وأرجو ألا يكون معكم سلاح .. وإلا تعرضنا للمهالك ..
فلم يرد عليه أحد .. كان الانكسار قد سحق مشاعرهم ، وجمـد إحساسهم ، فلم يعودوا يعبأون بأى شىء يقع لهم . وكانوا قد خرجوا من بيوتهم دون أن يتزودوا بزاد الطريق ، حمـلوا نقودهم فقـط ، وتركوا كل شىء آخر ، ومنهم من نسى حتى ذلك ..

ولم يجدوا على الطريق من يبيع لهم الماء .. وشكروا الله لأنه ليس معهم أطفال .

وبعـد سـير بطىء أسرع منه المشى على القدم .. وفى جو الحرب والقصف .. فاجأتهم غارة مروعة فخرجوا جميعا من السيارة ، وطاروا على وجوههم يدفنون أجسامهم فى التلال الرملية المحيطة بهم .

***

ولمــا فتــح " إسـماعيل " عينيـه وأفـاق من غشيته ، وجــد " أمينة " وحدها هى الباقية من الثمانية ، ولم يعرف أين ذهب الباقون ، غيبتهم الصحراء فى جوفها ، أم مزقتهم القنابل.

وشكرت " أمينة " ربها لأنها وجدت رجلا بجانبها فى الليل والحرب .. وكانت قد استراحت إلى " إسماعيل " منذ ركبت معه السيارة ، استراحت إلى أعصابه الهادئه وجلده .. واشتمت فى ملامحه وطباعه النبالة .. ولم تكن فراستها تخيب أبدا فى نظرتها إلى الرجال ..

فمنذ بدأت تعمل وتخرج إلى الحياة ، وتنتقل من بلد إلى بلد ، وهى تحمل بين جنبيها ذخيرة تجارب صادقة ..

ولم تكن وهى الأنثى الشابة الجميلة إلى حد الفتنة .. ترفض البعد عن الأهل فى سبيل العمل والحصول على رزق أوسع .. وكانت بعد " العريش " تتطلع إلى العمل فى الكويت .. وليبيا .. والسعودية لتجمع لأسرتها من المال ما يبنى لهم بيتا .. " فيلا " جميلة بدلا من السكن بالإيجار ..

ولكن أحلامها أوقفتها الحرب عند وجه " إسماعيل " .

وتطلع إليها فى غبش الظلمة والصحراء فى لون الرماد ، والطلقات تصفر .. وقال بتؤدة وهو يتألم لما لاقته فى سفرها من عذاب :
ـ يجب أن نخرج من هذا المكان .. ونسرع ما أمكن .. وكنت أود أن يعطينى الله القوة لحملك . . وما أحسبك ثقيلة الوزن ..
فقالت ورغم الضنى ابتسمت :
ـ فى حدود ستين كيلو ..
ـ ليس هذا بالصعب .. إنه وزن استطيع حمـله والسير به عشر خطوات .!

ونظر إلى عينيها على اتساعهما ، تلتمعان فى الظلمة .. وقد هزتها كلماته المداعبة فى هذا الجو .
وقال وهو يجلس على الأرض :
ـ يجب أن نتخفف من حملنا لأن المشوار طويل .. وسأبدأ بنفسى .

وفتح حقيبته وأخرج حاجات قليلة وضعها فى جيبه .. وألقى بالحقيبة وما بقى فيها فى الرمال وهو يقول :
ـ انها مطمع للأعراب .. ولا خير فيها ..
وقالت بعد أن شاهدته يضع مسدسا فى جيبه .
ـ أكنت تحمل المسدس .. بعد أن حذرك السائق من التفتيش ..؟
ـ المسدس حملته من أجلك .. ومن كان يضع يده عليك سأرديه قبل أن يتحرك له أصبع ..

فانشرحت لقوله وقالت فى رقة :
ـ ولكنك ستموت بعدها ..
ـ وما قيمة الموت للمرء .. بعـد أن يشعر بأنه أدى واجبه كرجل ..

وقال وهو يشير إلى حقيبتها :
ـ والآن جاء دورك ..!
فقالت وهى تفتح الحقيبة ..
ـ انظر ليس بداخلها سوى أشياء قليلة .. ماتتزين به النساء .. ونقودى وجواهرى ، أما ملابسى كلها فقد تركتها فى البيت .. وليس معى سوى فستانى الذى أرتديه ..

وتأمل فستانها الوردى ، الذى كان لايزال منسجما على جسمها ، رغم رحلة العذاب . وكانت رشاقتها تنبع من حيوية جسمها . فبعد التمرغ فى الرمل يبدو كل شىء بعد لحظات بكل جماله الطبيعى .. العينان والشفتان .. كلها تفيض بالحرارة والفتنة ..

وكانت قد غطت شعرها الأسود المتموج بإيشـارب وخلعـت ساعتها الذهبية .. كما خلعت حذاءها .. وأبقت سلسـلة ذهبية فى عنقها لأن فى نهايتها " المصحف " ..
وأعطاها جوربه وهو يقول :
- البسى هذا .. وسنسير فى الليل .. وفى بكائر الصباح .. أما فى وهج الشمس فسنتوقف عن السير .. ونحتمى فى أى مكان نراه صالحا .

ووضعت يدها فى داخـل حقيبتها ، وأخرجـت منها حزمـة من الأوراق المالية وقالت له :
ـ ضع هذه النقود فى جيبك ..
ـ خليها فى مكانها وسأحمل عنك الحقيبة بما فيها .. ولكن ما هذا المبلغ كله ؟
ـ كنت ذاهبة إلى " غزة " لأشترى ثلاجة وتليفزيون ، وأدوات مائدة لأختى ، والحمد لله لو ذهبت ما استطعت العودة ..
ـ خذى هذا المبلغ احتياطيا للظروف .. فربما طوقونا .. وفصلوا بيننا ..
ـ معى ثلاثين جنيها ..
ـ أين .. ؟ !

واستغرب فلم يكن لثوبها جيوب .. وأشارت إلى صدرها فى خجل ..
ـ يا لبراعة النساء ..

وابتسم والليل تبدو غياهبه فى كل موضع .. وبقيت النجوم وحدها تتلألأ فى السماء بين الدخان ولهب الحرب ..

وحمل لها الحقيبة وسارا .. وعجب ـ وهو يسير إلى جانبها فى الليل والحرب ـ لما أحس به .. فقد شعر بقـوة لم يشعر بمثلها فى جسمه .. وكانت الريح الخفيفة تحرك الرمال .. ولكن سماء شهر يونية بدت صافية .. كلما خف الدخان ووهج النيران ..

وشعرا معا بوجود جسم رمادى يتحرك عن يمينهما على مبعدة مائة خطوة لا أكثر ، ثم تبينا أنها سيارة عسكرية للعدو .. وكانت تسير ببطء شديد فى طريق متعرج .. وتتـوقف لتسير .. ولعلـها ترسـل الإشارات .. وأحس "إسماعيل" بالخطر . فأمسك بيد أمينة وجذبها إلى الأرض .. فانبطحت بجانبه فى رملها وترابها .. وهمس فى أذنها .. فكتمت أنفاسها والتصقت بالرمل أكثر وأكثر .. وتخشبا تماما .. ووضع يده على مسدسه .. ثم تركه بعد أن تبين أنها مخاطرة .. فيها من الطيش أكثر مما فيـها من التعقـل .. ومـا ذنب أميـنة فهى إن نجـت من القتـل لن تنجـو من العـار ..

وأمسك بيدها وضغط وأحس بالحرارة والعرق والتراب والرمل .. أنه ترابه ورمله .. ولن يخوناه أبدا .. وراقب السيارة بعين الصقر حتى ابتلعتها الصحراء فى جوفها ..
وأنهضها واستأنفا السير ..

ولم يكن يدرى أهى خائفة ..؟ كما تخاف النساء من الليل والحرب أم لا .. ولكنه كان مستيقنا من أنها شجاعة .. وأنها سريعة الخاطر ومتحركة .. وتبين له هذا من كل الأشياء التى اعترضتهما فى الطريق .

ولم يكن يسير فى طريق يعرفه ولكنه كان بحسه يتجه إلى القنال بعيدا عن طريق الحرب .. وعن جوف الصحراء حتى لايظل فى التيه ..

سار على هدى بصيرته مستضيئا بالنجوم .. وسارت بجانبه مطمئنة راضية .. ونسى تعبه وجوعه ، ونسى قدميه وقد أخذتا فى التورم .. ولم يكن يدرى الذى جرى لقدميها ولكن كانت تتحمل العذاب فى صمت ..

وأحس بأن له هدفا وسط هذه المعمعه ، التى لم يشترك فيها بسلاح .. وهو أن يهون عليها السير ، ويحميها من شر الليل ، وشر الإنسان .

***

وقبل الفجر بساعتين استراحا بجانب تل .. بعيدا عن كل قدم يمكن أن تتحرك .. ووضع لها الحقيبة تحت رأسـها الذى عصبـته "بإيشـارب" وتمددت على الرمال وهو قريب منها.

ولما شعر بأنها نامت ، وأحس ببرد الليل ، خلع سترته وغطاها فى رفق حتى لاتوقظها حركته .

ولكنها كانت متيقظة ، وشاعرة براحة النفس واطمئنانها ، لأنها لاتزال حية وفى رفقة رجل أدركت بغريزتها كل ما فى طباعه من نبل وشهامة .. وان لم يحدثها أحد عن ذلك ..

وكانت تلاحظه بعينيها وهو على مبعدة خطوتين منها .. وتخاف عليه من حشرات الصحراء فى الليل ..

نسيت أنها فى حرب .. وما يأتى ساقطا من السماء هو شر من كل حشرات الأرض .. ولاحظت أنه لم يدخن حتى فى النهار وضوء السيجارة لايضير فى هذه الساعة ولا يكون دليلا للأعداء .. حرم نفسه من هذه المتعة لأجلها حتى لايضـايقها برائحة الدخان .. ويثير أعصابها وهى جائعة تعبة ..

كان قميصة قد اتسخ ، وتهدلت بدلته وعلق بها العرق والغبار .. وطال شعر ذقنه وبدا خشنا وعلا الشحوب وجهه .. واتسعت عيناه من الارهاق والجوع ..

كانت الصورة فى مجموعها تثير الشجن ولكنها شاقتها .. كانا فى حالة عذاب مشتركة وقد سرح بها خيالها حتى جعلها تتصور .. أنه سار فى هذا الطريق الشاق من أجل أن يحميها .. ولو كان وحده لسهل عليه الأمر .. ونجا ..

وفتح عينيه وهى تمشط شعرها ، ورأى حبات الرمال فى لون الزمرد عالقة بثوبها .. كأنها تطريز جديد عمل فيه بدقة .. فعجب للطبيعة التى تزيد من جمالها فى كل ما تفعله بها .

وقالت بعذوبة ..
ـ ألا تحلق ذقنك ؟
وضحك لمداعبتها وقال :
ـ وينقصنا الحمام أيضا .. ومرآة زينة كبيرة لك وكل العطور الجميلة التى فى العالم .. والآن هيا .. مع الجوع والعطش ..

***

ومشيا بعدطلوع الشمس على مهل ، كانا ينـزعان أقدامهما من الأرض بمشقة .. واشتد بهما الجوع وبلغ العطش مبلغه .. فظهر الشحوب على وجهيهما ، وابيضت الشـفاه وتشـققت .. وترددت الأنفاس بصعوبة .. ولكنهما كانا من الشجاعة بحيث لم يتطرق إلى قلبيهما اليأس ..

ومشيا أقل من مائة خطوة ، ثم ارتميـا على الأرض كميتين ، وأغلقا عيونهما من الشمس وأخذ هو يتشهد فى سره ..

***

وتحرك "إسماعيل" بعد ساعة وفتح عينيه وشاهد على مرمى البصر .. وفى وهج الرمال المصفرة من الشمس خيطا من الدخان يتصاعد من ظهر كوخ .. فنبه "أمينة" إلى ما شاهده وهو يشعر بالفرح .. فقد وجد خيطا من الأمل وسط ظلام اليأس .. والجوع القاتل .. وجعلها تستريح فى مكانها ..

واتجه هو نحو الكوخ محاذرا منهوكا ، ولما اقترب تصلبت رجلاه ويده على المسدس .. كانت تحدق فيه من فتحة الكوخ عينا رجل .. وجه نحيل خشن وحاجباه كثيفان ، وعيناه فيهما صرامة وتحد ..

وأظهر إسماعيل كل ضروب الوداعة واللطف .. وهو يقترب من الرجل ويقف على بابه .. ويطلب منه الماء والطعام .. واعتذر الرجل بأن الدار خاوية منذ الأمس ، فلا توجد كسرة خبز ولا قطرة ماء .. عندهم .. ولم ييأس " إسماعيل " وظل يحـاور الرجل ثم أخرج له ورقة بخمسة جنيهات ليغريه ، فتغير حال الرجل على التو .. ودخل وعاد يحمل خبزا ولبنا .. ناولهما لإسماعيل ..

وحمل إسماعيل الخبز واللبن فى ركوة ومنديل ولكن قبل أن يبعد عن الكوخ سمع المرأة فى داخل الكوخ تشتم زوجها وتوجعه بالكلام وتوبخه ، لأنه أخذ ثمنا لإطعام جائع غريب .. وظلت تصب عليه اللعنة بصوت جارح .. ثم جذبت الورقة ذات الجنيهات الخمسة منه ، وخرجت تجرى ، وأعادتها لإسماعيل ، وهى تعتذر عن جشع زوجها .. وسرته هذه الشهامة من الاعرابية .. وحكى كل شىء لأمينة وهما يجلسان للطعام .. وكان يردد :
ـ تأملى الحياة .. الخير .. والشر .. فى بيت واحد ..

وبعد أن أكلا وشبعا .. لم يستطيعا مواصلة السير إلا قليلا .. جعلهما الشبع بعد الجوع القاتل فى حاجة شديدة إلى النوم .. فناما فى فجوة منخفضة ..

واستيقظ إسماعيل " وأمينة " نائمة بجواره وتكاد تكون ملاصقة له .. وقد جعله الطعام الذى أجرى الدم فى عروقه وغير من حاله .. ينظر إليها لأول مرة كما ينظر الرجل إلى المرأة .. ويشتهيها ..

وكانت نائمة مستسلمة ، وما تكشف من جسمها ، رغم ما علق به بسبب الطريق كان لايزال يثيره ولو اقترب منها ما منعته .. ولا رفضت له رغبة .. ولقد لفتهما الحرب فى إعصارها والموت يترصد لهما فى كل خطوة .. فلماذا يحرم نفسه من متعة الدنيا ، وحياته مهددة بالموت فى كل لحظة ..

وهم بأن يقترب منها ولكنه أحس بمثل الاعصار .. يشق عينيه .. فظل جالسا مدة فى مكانه ساهما سادرا .. ثم رجع إلى نفسه يلومها على ما انتابه من هواجس وأدرك أنها كانت تحتقره لو فعل بها شيئا .. تحتقره كرجل ، لأنه استغل ظروف المكان ، وخان الأمانة التى جعلتها تضع نفسها ومالها وجواهرها فى حماه ..

ولما استيقظت من نومها .. ابتسم لها وأمسك بها من يدها واتجها إلى القنال .. وفاجأتهما غارة عنيفة وهما على مداخل القناة .. وغاب إسماعيل عن وعيه ..

ولما أفاق أحس بأثر الضربة فى صدغه .. ولا يدرى أكانت من شظية أم من الحصى المتطاير من فعل القنبلة .. وسال منه الدم ولكنه تحامل على نفسه ونهض وأخذ يبحث عنها كالمجنون .

وبعد طول البحث لم يعثر عليها . وأدركه اليأس ، وبلغ منه التعب منتهاه ، فارتمى على حافة القناة وكأنه يموت ..

***

ومضت ساعات وهو مضطجع بجانب التل يتابع بعينيه موج البحر .. وكان شهاب من نار ودخان يتفجر فى الصحراء .

وظل " إسماعيل " الليل بطوله يسمع الدوى ، ويرقب البحر ، وهو فى أشد حالات الحزن لفراق " أمينة " وقد نهش قلبه القلق عليها ولفه فى إعصار ..

ورأى فى مواجهته زورقا يقترب من شط القناة بحذر .. فنهض فى تثاقل وتعب وأخذ يتجه إليه ، ولمحه الصياد وهو يسير على الشاطىء .. فحرك الزورق ليقترب منه ..
وقال له إسماعيل :
ـ تعدينى القناة يا ريس ..؟
ـ أعديك .. ولكن انت شايف الحال ..
ـ أى حال ..؟
ـ اليهود فى كل مكان .. فى الشمال والجنوب وطائراتهم تدك .. والتعدية مخاطرة .. وثمنها غال ..
ـ أنا مستعد لما تطلب ..
ـ أعتدت أن آخذ مائة جنيه .. ولكن لأجل خاطرك سآخذ خمسين فقط ..
ـ لماذا تستغل الظروف يا ريس .. عيب .. تكفى عشرة ..
ـ قلت خمسين يعنى خمسين ..
ـ هذا كثير ..
ـ أنت حر ..

وحرك المجاديف ليبتعد بالزورق ، فارتعد إسماعيل بعـد أن أدرك أنه سيدفن فى فيافى هذا المكان كما دفن غيره ، وقال فى ضراعة ..
ـ سأدفع لك ما تريد ..
ـ النقود أولا ..

فأخرج إسماعيل المبلغ من الحقيبة وأخذ يعد له الخمسـين جنيها والصياد يحدق فى محتويات الحقيبة ..

ونزل إسماعيل فى الزورق وشد الصياد المجاديف .. واضطجع إسماعيـل فى باطن الزورق من الخـلف ، وهو يحس بتعب شديد فى عظامه ولحمه .. كانت الأوجاع قد أخذت تتوزع على جسمه كله .. ورأسه ينفجر من أشد أنواع الصداع .. فوضع رأسه على الخشب الصلب ليفلقه نصفين ويستريح .. ! وظل نائما على جنبه وظهره إلى الصياد الذى كان يجدف فى حذر وسكون ، وتكاد مجـاديفه لا تمس الماء ولا يسمع لها صوت ..

ولامست يد إسماعيل بالمصادفة معدنا صلبا صغير الحجم وهو يدس يده بين فتحات الخشب فى باطن الزورق .. وجعله حب الاستطلاع يمرسه بين أصابعه .. حتى تبين أنه سلسلة ناعمة خارجة من فتحة فى صندوق ، غيبه الصياد فى باطن الزورق .. وحدق إسماعيل فى الظلام بين شقوق الخشب فلم يتبين نوع السلسلة .. فحول وجهه إلى الصياد وسأله :
ـ أمعك ثقاب " يا ريس " ..؟
ـ لماذا ..؟
ـ أشعل سيجارة ..
ـ السيجارة تضيعنا .. اننا فى حرب ..

فأذعن إسماعيل للأمر .. وصرف ذهنه عن السلسلة والصندوق بعد أن أدرك أن الصندوق موجود غالبا فى كثير من الزوارق التى تبقى فى البحر ..

وسأل وهو يتطلع إلى وجه الصياد الجامد وكان يراه طويلا مستقيم العود .. رغم أنه يزاول التجديف كثيرا ويحنى جذعه ..
ـ عديت ناس كتير يا ريس ..؟
ـ كتير .. من يومين وأنا أعدى خلق ..
ـ وتحت أى بلد نحن الآن الإسماعيلية أم السويس ..
ـ اننا فى الخليج قريبا من السويس .. ولو كنا تحتها كنا ضعنا من زمان ..
ـ ألم تعدى سيدات ..؟

وحدق إسماعيل فى وجه الصياد وهو يلقى عليه هذا السؤال فرآه جامدا لم يتغير ..
ـ سيدات فى هذه الأهوال .. أبدا ..
كان صوته هادئا وواضحا ..
ـ بقى كتير على البر ..
ـ اننى أحاول أن أبعدك عن المخاطر .. ولذلك تحس بطول المسافة .. قربنا .. أمامنا القليل ..
ـ سأنام وعندما نصل أيقظنى ..
ـ حاضر ..
ومضى زمن ..

وأغلق إسماعيل عينيه بضعة دقائق واسترخى .. وأحس بتوقف المجاديف .. فتصور أن الزورق وصل إلى الشاطىء .. وفتح عينيه فإذا بالزورق لايزال فى وسط الماء .. ولمح فى يد الصياد شيئا غريبا .. مسدسا كبيرا من طراز إيطالى قديم .. وكان يعده للحركة الأخيرة .. ضغط الزناد .. وقد انشغل به .. فتأمله إسماعيل فى صمت وتوجس من الرجل شــرا .. مسـدس كهذا فى يده لماذا ؟ .. إنه لا ينفع فى الحرب ..

وأحس بالخوف وبالعرق على جبينه وبازدياد ضربات قلبه ..

ولكنه تمالك نفسه سريعا ووضع يده على مسدسه وأصبعه على الزناد .. وأخرجه من جيبه ، وفى اللحظة التى كان فيها الصـياد يمد يده ويصوب إلى رأس إسماعيل وهو نائم ، تحرك إسماعيل سريعا وأطلق النار .

وضاعت الطلقتان فى دوى المدافع ووهج النيران ..

***

وأحس إسماعيل بالدم يلطخ ثيابه ، وأدرك أن الرصاصة أصابت كتفه وخرجت من جسمه واستقرت فى قاع الزورق .. وحدق فى وجه الصياد وجس نبضه فتبين له أنه مات ..

وظل يبحث فى بطن الزورق حتى وجد قطعة حديد رفع بها قطعة الخشب التى تغطى الصندوق .. وكسر القفل وفتح الصندوق .. فوجده ممتلئا بالنقود والحلى ووجد سلسلة " أمينة " الذهبية ومصحفها ، فارتجف قلبه وارتعد ، وكان الزورق ساكنا فى وسط الماء ، فتناول إسماعيل المجدافين .. وأخـذ يجـدف طوال اللـيل متجها إلى "بور توفيق" ..

أدرك وهو ينظر إلى الشواطىء البعيدة أن الصياد كان يغرر به ويتجه إلى الجنوب .

ولما بلغ شاطىء " بور توفيق " ترك المجدافين وحمل فى يده حقيبة " أمينة " وكل الجواهر والنقود التى وجدها فى الصندوق ، وخرج من الزورق بعد أن دفعه برجله إلى عرض الماء ..

***

وعندما صعد إلى شارع القناة ، كان الظلام لا يزال يخيم ، والمدينة ساكنة ، بعد أن توقف الضرب ووجد أمينة جالسة تحـت الشـجر وحدها تنتظره ، وكانت حزينة وجائعة ونعسانة ..

ولما رأته استردت روحها وجرت إليه وارتمت على صدره ..

================================= نشرت القصة بمجلة الهلال فى
991972 واعيد نشرها فى كتاب " الظرف المغلق " " وفى كتاب " قصص من القنال " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006

=================================

من سيناء ـ قصة طلقة فى الظلام


الأدب المصرى فى حرب 5 يونية 1967 طلقة فى الظلام

قصة: محمود البدوى



كانوا ثمانية خرجوا فى الظلام من مدينة "العريش" والعدو على مبعدة ثلاثة كيلو مترات منها .. وهدير القصف يسمع فى كل مكان ..

وعندما تجاوزوا حدود المدينة وجدوا خلقا كثيرا يتحرك مثلهم إلى الغرب ..

واكتسحت الجموع الطريق الضيق ، كانوا يسيرون فى مشقة ، وقد اختلط الحابل بالنابل ، والرجال بالنساء ، والأطفال بالشيوخ ، والعذاب يلفهم فى كل خطوة .

كانت الحرب تتحرك بسرعة رهيبة .. والحياة نفسها تتحرك فى قلوب هؤلاء المشردين بسرعة ولهفة ..

وكانت السيارات قد اختفت عن المنطقة كلها ، أخذها من سبقهم إلى الفرار .

والطريق المألوفة قـد خربت بالقنابل لتعوق المدرعات من الانسحاب ، فاضطر الأهالى إلى الاتجاه إلى البحر ، والتفرق فى صحراء سيناء ، وساروا على وجوههم .. وكانت الأرض والسماء ملفوفتين بالدخان والنار .. والطيور تطير مذعورة وريح الصيف تزفر نارا وبخارا ..
وكان القلق يعصف برؤوسهم ..

وظلوا يسيرون طوال الليل ، والقنابل تتناثر حولهم ، ودوامات الرمال تثور فى وجوههم والفراغ الرهيب الذى يحدث من الانفجار يعريهم من ثيابهم ، ويطير متاعهم من أيديهم ..

***

ورغم تفكك الجموع .. ظل الثمانية كما هم .. وكانوا جميعا من الموظفين المصريين الذين يعمـلون فى العريش ومن بينهم سيدتان .

ورغم تزايد عدد الرجال على النساء فى هذه الرحلة الرهيبة فقد استراحت المرأتان إلى الصحبة .

ولم تكن بين هذه الجماعة أية علاقة عمل أو جوار .. ولكنهم اجتمعوا على الطريق لغرض واحد ..

وساروا أولا حـذاء البحر ، والنخيل الكثيف النابت فى الماء على يمينهم يتمايل ويلطف الجو كله . فلما جاءتهم أنباء بنـزول الأعــداء من ناحـية البـحـر ، غيروا اتجاههم ودخلـوا فى الصـحراء .

وبعد نهار خانق وشمس حامية ، ورمال حارقة .. عثروا فى الليل على سيارة قديمة ، وقبل سائقها بعد مساومة طويلة ، وبعد الضراعة ، وكل ضروب التوسل .. قبل أن يحملهم إلى القنطرة شرق وهم وحظهم فى العبور .. !

وتقاضى منهم الأجر مقدما قبل أن يضعوا أقدامهم فى العربة .. تقاضى منهم أجرا باهظا كأنه سينقلهم إلى أوربا .. ودفعوا صاغرين ولم يتعجبوا إنها دقات الحرب ونوازعها الشريرة فى النفوس الوضيعة .

وقال السائق القصير العنق ، النمش الوجه ، الأحمر الشعر ، بعد أن تحرك بالسيارة فى طريق ملتوى يعرفه أمثاله :
ـ سنتعرض فى الطريق للتفتيش .. فقد نزلوا بالمظلات وهم الآن أمامنا .

ونظر للسيدتين بخبث فالتهب وجهاهما .
ثم أضاف :
ـ وأرجو ألا يكون معكم سلاح .. وإلا تعرضنا للمهالك ..
فلم يرد عليه أحد .. كان الانكسار قد سحق مشاعرهم ، وجمـد إحساسهم ، فلم يعودوا يعبأون بأى شىء يقع لهم . وكانوا قد خرجوا من بيوتهم دون أن يتزودوا بزاد الطريق ، حمـلوا نقودهم فقـط ، وتركوا كل شىء آخر ، ومنهم من نسى حتى ذلك ..

ولم يجدوا على الطريق من يبيع لهم الماء .. وشكروا الله لأنه ليس معهم أطفال .

وبعـد سـير بطىء أسرع منه المشى على القدم .. وفى جو الحرب والقصف .. فاجأتهم غارة مروعة فخرجوا جميعا من السيارة ، وطاروا على وجوههم يدفنون أجسامهم فى التلال الرملية المحيطة بهم .

***

ولمــا فتــح " إسـماعيل " عينيـه وأفـاق من غشيته ، وجــد " أمينة " وحدها هى الباقية من الثمانية ، ولم يعرف أين ذهب الباقون ، غيبتهم الصحراء فى جوفها ، أم مزقتهم القنابل.

وشكرت " أمينة " ربها لأنها وجدت رجلا بجانبها فى الليل والحرب .. وكانت قد استراحت إلى " إسماعيل " منذ ركبت معه السيارة ، استراحت إلى أعصابه الهادئه وجلده .. واشتمت فى ملامحه وطباعه النبالة .. ولم تكن فراستها تخيب أبدا فى نظرتها إلى الرجال ..

فمنذ بدأت تعمل وتخرج إلى الحياة ، وتنتقل من بلد إلى بلد ، وهى تحمل بين جنبيها ذخيرة تجارب صادقة ..

ولم تكن وهى الأنثى الشابة الجميلة إلى حد الفتنة .. ترفض البعد عن الأهل فى سبيل العمل والحصول على رزق أوسع .. وكانت بعد " العريش " تتطلع إلى العمل فى الكويت .. وليبيا .. والسعودية لتجمع لأسرتها من المال ما يبنى لهم بيتا .. " فيلا " جميلة بدلا من السكن بالإيجار ..

ولكن أحلامها أوقفتها الحرب عند وجه " إسماعيل " .

وتطلع إليها فى غبش الظلمة والصحراء فى لون الرماد ، والطلقات تصفر .. وقال بتؤدة وهو يتألم لما لاقته فى سفرها من عذاب :
ـ يجب أن نخرج من هذا المكان .. ونسرع ما أمكن .. وكنت أود أن يعطينى الله القوة لحملك . . وما أحسبك ثقيلة الوزن ..
فقالت ورغم الضنى ابتسمت :
ـ فى حدود ستين كيلو ..
ـ ليس هذا بالصعب .. إنه وزن استطيع حمـله والسير به عشر خطوات .!

ونظر إلى عينيها على اتساعهما ، تلتمعان فى الظلمة .. وقد هزتها كلماته المداعبة فى هذا الجو .
وقال وهو يجلس على الأرض :
ـ يجب أن نتخفف من حملنا لأن المشوار طويل .. وسأبدأ بنفسى .

وفتح حقيبته وأخرج حاجات قليلة وضعها فى جيبه .. وألقى بالحقيبة وما بقى فيها فى الرمال وهو يقول :
ـ انها مطمع للأعراب .. ولا خير فيها ..
وقالت بعد أن شاهدته يضع مسدسا فى جيبه .
ـ أكنت تحمل المسدس .. بعد أن حذرك السائق من التفتيش ..؟
ـ المسدس حملته من أجلك .. ومن كان يضع يده عليك سأرديه قبل أن يتحرك له أصبع ..

فانشرحت لقوله وقالت فى رقة :
ـ ولكنك ستموت بعدها ..
ـ وما قيمة الموت للمرء .. بعـد أن يشعر بأنه أدى واجبه كرجل ..

وقال وهو يشير إلى حقيبتها :
ـ والآن جاء دورك ..!
فقالت وهى تفتح الحقيبة ..
ـ انظر ليس بداخلها سوى أشياء قليلة .. ماتتزين به النساء .. ونقودى وجواهرى ، أما ملابسى كلها فقد تركتها فى البيت .. وليس معى سوى فستانى الذى أرتديه ..

وتأمل فستانها الوردى ، الذى كان لايزال منسجما على جسمها ، رغم رحلة العذاب . وكانت رشاقتها تنبع من حيوية جسمها . فبعد التمرغ فى الرمل يبدو كل شىء بعد لحظات بكل جماله الطبيعى .. العينان والشفتان .. كلها تفيض بالحرارة والفتنة ..

وكانت قد غطت شعرها الأسود المتموج بإيشـارب وخلعـت ساعتها الذهبية .. كما خلعت حذاءها .. وأبقت سلسـلة ذهبية فى عنقها لأن فى نهايتها " المصحف " ..
وأعطاها جوربه وهو يقول :
- البسى هذا .. وسنسير فى الليل .. وفى بكائر الصباح .. أما فى وهج الشمس فسنتوقف عن السير .. ونحتمى فى أى مكان نراه صالحا .

ووضعت يدها فى داخـل حقيبتها ، وأخرجـت منها حزمـة من الأوراق المالية وقالت له :
ـ ضع هذه النقود فى جيبك ..
ـ خليها فى مكانها وسأحمل عنك الحقيبة بما فيها .. ولكن ما هذا المبلغ كله ؟
ـ كنت ذاهبة إلى " غزة " لأشترى ثلاجة وتليفزيون ، وأدوات مائدة لأختى ، والحمد لله لو ذهبت ما استطعت العودة ..
ـ خذى هذا المبلغ احتياطيا للظروف .. فربما طوقونا .. وفصلوا بيننا ..
ـ معى ثلاثين جنيها ..
ـ أين .. ؟ !

واستغرب فلم يكن لثوبها جيوب .. وأشارت إلى صدرها فى خجل ..
ـ يا لبراعة النساء ..

وابتسم والليل تبدو غياهبه فى كل موضع .. وبقيت النجوم وحدها تتلألأ فى السماء بين الدخان ولهب الحرب ..

وحمل لها الحقيبة وسارا .. وعجب ـ وهو يسير إلى جانبها فى الليل والحرب ـ لما أحس به .. فقد شعر بقـوة لم يشعر بمثلها فى جسمه .. وكانت الريح الخفيفة تحرك الرمال .. ولكن سماء شهر يونية بدت صافية .. كلما خف الدخان ووهج النيران ..

وشعرا معا بوجود جسم رمادى يتحرك عن يمينهما على مبعدة مائة خطوة لا أكثر ، ثم تبينا أنها سيارة عسكرية للعدو .. وكانت تسير ببطء شديد فى طريق متعرج .. وتتـوقف لتسير .. ولعلـها ترسـل الإشارات .. وأحس "إسماعيل" بالخطر . فأمسك بيد أمينة وجذبها إلى الأرض .. فانبطحت بجانبه فى رملها وترابها .. وهمس فى أذنها .. فكتمت أنفاسها والتصقت بالرمل أكثر وأكثر .. وتخشبا تماما .. ووضع يده على مسدسه .. ثم تركه بعد أن تبين أنها مخاطرة .. فيها من الطيش أكثر مما فيـها من التعقـل .. ومـا ذنب أميـنة فهى إن نجـت من القتـل لن تنجـو من العـار ..

وأمسك بيدها وضغط وأحس بالحرارة والعرق والتراب والرمل .. أنه ترابه ورمله .. ولن يخوناه أبدا .. وراقب السيارة بعين الصقر حتى ابتلعتها الصحراء فى جوفها ..
وأنهضها واستأنفا السير ..

ولم يكن يدرى أهى خائفة ..؟ كما تخاف النساء من الليل والحرب أم لا .. ولكنه كان مستيقنا من أنها شجاعة .. وأنها سريعة الخاطر ومتحركة .. وتبين له هذا من كل الأشياء التى اعترضتهما فى الطريق .

ولم يكن يسير فى طريق يعرفه ولكنه كان بحسه يتجه إلى القنال بعيدا عن طريق الحرب .. وعن جوف الصحراء حتى لايظل فى التيه ..

سار على هدى بصيرته مستضيئا بالنجوم .. وسارت بجانبه مطمئنة راضية .. ونسى تعبه وجوعه ، ونسى قدميه وقد أخذتا فى التورم .. ولم يكن يدرى الذى جرى لقدميها ولكن كانت تتحمل العذاب فى صمت ..

وأحس بأن له هدفا وسط هذه المعمعه ، التى لم يشترك فيها بسلاح .. وهو أن يهون عليها السير ، ويحميها من شر الليل ، وشر الإنسان .

***

وقبل الفجر بساعتين استراحا بجانب تل .. بعيدا عن كل قدم يمكن أن تتحرك .. ووضع لها الحقيبة تحت رأسـها الذى عصبـته "بإيشـارب" وتمددت على الرمال وهو قريب منها.

ولما شعر بأنها نامت ، وأحس ببرد الليل ، خلع سترته وغطاها فى رفق حتى لاتوقظها حركته .

ولكنها كانت متيقظة ، وشاعرة براحة النفس واطمئنانها ، لأنها لاتزال حية وفى رفقة رجل أدركت بغريزتها كل ما فى طباعه من نبل وشهامة .. وان لم يحدثها أحد عن ذلك ..

وكانت تلاحظه بعينيها وهو على مبعدة خطوتين منها .. وتخاف عليه من حشرات الصحراء فى الليل ..

نسيت أنها فى حرب .. وما يأتى ساقطا من السماء هو شر من كل حشرات الأرض .. ولاحظت أنه لم يدخن حتى فى النهار وضوء السيجارة لايضير فى هذه الساعة ولا يكون دليلا للأعداء .. حرم نفسه من هذه المتعة لأجلها حتى لايضـايقها برائحة الدخان .. ويثير أعصابها وهى جائعة تعبة ..

كان قميصة قد اتسخ ، وتهدلت بدلته وعلق بها العرق والغبار .. وطال شعر ذقنه وبدا خشنا وعلا الشحوب وجهه .. واتسعت عيناه من الارهاق والجوع ..

كانت الصورة فى مجموعها تثير الشجن ولكنها شاقتها .. كانا فى حالة عذاب مشتركة وقد سرح بها خيالها حتى جعلها تتصور .. أنه سار فى هذا الطريق الشاق من أجل أن يحميها .. ولو كان وحده لسهل عليه الأمر .. ونجا ..

وفتح عينيه وهى تمشط شعرها ، ورأى حبات الرمال فى لون الزمرد عالقة بثوبها .. كأنها تطريز جديد عمل فيه بدقة .. فعجب للطبيعة التى تزيد من جمالها فى كل ما تفعله بها .

وقالت بعذوبة ..
ـ ألا تحلق ذقنك ؟
وضحك لمداعبتها وقال :
ـ وينقصنا الحمام أيضا .. ومرآة زينة كبيرة لك وكل العطور الجميلة التى فى العالم .. والآن هيا .. مع الجوع والعطش ..

***

ومشيا بعدطلوع الشمس على مهل ، كانا ينـزعان أقدامهما من الأرض بمشقة .. واشتد بهما الجوع وبلغ العطش مبلغه .. فظهر الشحوب على وجهيهما ، وابيضت الشـفاه وتشـققت .. وترددت الأنفاس بصعوبة .. ولكنهما كانا من الشجاعة بحيث لم يتطرق إلى قلبيهما اليأس ..

ومشيا أقل من مائة خطوة ، ثم ارتميـا على الأرض كميتين ، وأغلقا عيونهما من الشمس وأخذ هو يتشهد فى سره ..

***

وتحرك "إسماعيل" بعد ساعة وفتح عينيه وشاهد على مرمى البصر .. وفى وهج الرمال المصفرة من الشمس خيطا من الدخان يتصاعد من ظهر كوخ .. فنبه "أمينة" إلى ما شاهده وهو يشعر بالفرح .. فقد وجد خيطا من الأمل وسط ظلام اليأس .. والجوع القاتل .. وجعلها تستريح فى مكانها ..

واتجه هو نحو الكوخ محاذرا منهوكا ، ولما اقترب تصلبت رجلاه ويده على المسدس .. كانت تحدق فيه من فتحة الكوخ عينا رجل .. وجه نحيل خشن وحاجباه كثيفان ، وعيناه فيهما صرامة وتحد ..

وأظهر إسماعيل كل ضروب الوداعة واللطف .. وهو يقترب من الرجل ويقف على بابه .. ويطلب منه الماء والطعام .. واعتذر الرجل بأن الدار خاوية منذ الأمس ، فلا توجد كسرة خبز ولا قطرة ماء .. عندهم .. ولم ييأس " إسماعيل " وظل يحـاور الرجل ثم أخرج له ورقة بخمسة جنيهات ليغريه ، فتغير حال الرجل على التو .. ودخل وعاد يحمل خبزا ولبنا .. ناولهما لإسماعيل ..

وحمل إسماعيل الخبز واللبن فى ركوة ومنديل ولكن قبل أن يبعد عن الكوخ سمع المرأة فى داخل الكوخ تشتم زوجها وتوجعه بالكلام وتوبخه ، لأنه أخذ ثمنا لإطعام جائع غريب .. وظلت تصب عليه اللعنة بصوت جارح .. ثم جذبت الورقة ذات الجنيهات الخمسة منه ، وخرجت تجرى ، وأعادتها لإسماعيل ، وهى تعتذر عن جشع زوجها .. وسرته هذه الشهامة من الاعرابية .. وحكى كل شىء لأمينة وهما يجلسان للطعام .. وكان يردد :
ـ تأملى الحياة .. الخير .. والشر .. فى بيت واحد ..

وبعد أن أكلا وشبعا .. لم يستطيعا مواصلة السير إلا قليلا .. جعلهما الشبع بعد الجوع القاتل فى حاجة شديدة إلى النوم .. فناما فى فجوة منخفضة ..

واستيقظ إسماعيل " وأمينة " نائمة بجواره وتكاد تكون ملاصقة له .. وقد جعله الطعام الذى أجرى الدم فى عروقه وغير من حاله .. ينظر إليها لأول مرة كما ينظر الرجل إلى المرأة .. ويشتهيها ..

وكانت نائمة مستسلمة ، وما تكشف من جسمها ، رغم ما علق به بسبب الطريق كان لايزال يثيره ولو اقترب منها ما منعته .. ولا رفضت له رغبة .. ولقد لفتهما الحرب فى إعصارها والموت يترصد لهما فى كل خطوة .. فلماذا يحرم نفسه من متعة الدنيا ، وحياته مهددة بالموت فى كل لحظة ..

وهم بأن يقترب منها ولكنه أحس بمثل الاعصار .. يشق عينيه .. فظل جالسا مدة فى مكانه ساهما سادرا .. ثم رجع إلى نفسه يلومها على ما انتابه من هواجس وأدرك أنها كانت تحتقره لو فعل بها شيئا .. تحتقره كرجل ، لأنه استغل ظروف المكان ، وخان الأمانة التى جعلتها تضع نفسها ومالها وجواهرها فى حماه ..

ولما استيقظت من نومها .. ابتسم لها وأمسك بها من يدها واتجها إلى القنال .. وفاجأتهما غارة عنيفة وهما على مداخل القناة .. وغاب إسماعيل عن وعيه ..

ولما أفاق أحس بأثر الضربة فى صدغه .. ولا يدرى أكانت من شظية أم من الحصى المتطاير من فعل القنبلة .. وسال منه الدم ولكنه تحامل على نفسه ونهض وأخذ يبحث عنها كالمجنون .

وبعد طول البحث لم يعثر عليها . وأدركه اليأس ، وبلغ منه التعب منتهاه ، فارتمى على حافة القناة وكأنه يموت ..

***

ومضت ساعات وهو مضطجع بجانب التل يتابع بعينيه موج البحر .. وكان شهاب من نار ودخان يتفجر فى الصحراء .

وظل " إسماعيل " الليل بطوله يسمع الدوى ، ويرقب البحر ، وهو فى أشد حالات الحزن لفراق " أمينة " وقد نهش قلبه القلق عليها ولفه فى إعصار ..

ورأى فى مواجهته زورقا يقترب من شط القناة بحذر .. فنهض فى تثاقل وتعب وأخذ يتجه إليه ، ولمحه الصياد وهو يسير على الشاطىء .. فحرك الزورق ليقترب منه ..
وقال له إسماعيل :
ـ تعدينى القناة يا ريس ..؟
ـ أعديك .. ولكن انت شايف الحال ..
ـ أى حال ..؟
ـ اليهود فى كل مكان .. فى الشمال والجنوب وطائراتهم تدك .. والتعدية مخاطرة .. وثمنها غال ..
ـ أنا مستعد لما تطلب ..
ـ أعتدت أن آخذ مائة جنيه .. ولكن لأجل خاطرك سآخذ خمسين فقط ..
ـ لماذا تستغل الظروف يا ريس .. عيب .. تكفى عشرة ..
ـ قلت خمسين يعنى خمسين ..
ـ هذا كثير ..
ـ أنت حر ..

وحرك المجاديف ليبتعد بالزورق ، فارتعد إسماعيل بعـد أن أدرك أنه سيدفن فى فيافى هذا المكان كما دفن غيره ، وقال فى ضراعة ..
ـ سأدفع لك ما تريد ..
ـ النقود أولا ..

فأخرج إسماعيل المبلغ من الحقيبة وأخذ يعد له الخمسـين جنيها والصياد يحدق فى محتويات الحقيبة ..

ونزل إسماعيل فى الزورق وشد الصياد المجاديف .. واضطجع إسماعيـل فى باطن الزورق من الخـلف ، وهو يحس بتعب شديد فى عظامه ولحمه .. كانت الأوجاع قد أخذت تتوزع على جسمه كله .. ورأسه ينفجر من أشد أنواع الصداع .. فوضع رأسه على الخشب الصلب ليفلقه نصفين ويستريح .. ! وظل نائما على جنبه وظهره إلى الصياد الذى كان يجدف فى حذر وسكون ، وتكاد مجـاديفه لا تمس الماء ولا يسمع لها صوت ..

ولامست يد إسماعيل بالمصادفة معدنا صلبا صغير الحجم وهو يدس يده بين فتحات الخشب فى باطن الزورق .. وجعله حب الاستطلاع يمرسه بين أصابعه .. حتى تبين أنه سلسلة ناعمة خارجة من فتحة فى صندوق ، غيبه الصياد فى باطن الزورق .. وحدق إسماعيل فى الظلام بين شقوق الخشب فلم يتبين نوع السلسلة .. فحول وجهه إلى الصياد وسأله :
ـ أمعك ثقاب " يا ريس " ..؟
ـ لماذا ..؟
ـ أشعل سيجارة ..
ـ السيجارة تضيعنا .. اننا فى حرب ..

فأذعن إسماعيل للأمر .. وصرف ذهنه عن السلسلة والصندوق بعد أن أدرك أن الصندوق موجود غالبا فى كثير من الزوارق التى تبقى فى البحر ..

وسأل وهو يتطلع إلى وجه الصياد الجامد وكان يراه طويلا مستقيم العود .. رغم أنه يزاول التجديف كثيرا ويحنى جذعه ..
ـ عديت ناس كتير يا ريس ..؟
ـ كتير .. من يومين وأنا أعدى خلق ..
ـ وتحت أى بلد نحن الآن الإسماعيلية أم السويس ..
ـ اننا فى الخليج قريبا من السويس .. ولو كنا تحتها كنا ضعنا من زمان ..
ـ ألم تعدى سيدات ..؟

وحدق إسماعيل فى وجه الصياد وهو يلقى عليه هذا السؤال فرآه جامدا لم يتغير ..
ـ سيدات فى هذه الأهوال .. أبدا ..
كان صوته هادئا وواضحا ..
ـ بقى كتير على البر ..
ـ اننى أحاول أن أبعدك عن المخاطر .. ولذلك تحس بطول المسافة .. قربنا .. أمامنا القليل ..
ـ سأنام وعندما نصل أيقظنى ..
ـ حاضر ..
ومضى زمن ..

وأغلق إسماعيل عينيه بضعة دقائق واسترخى .. وأحس بتوقف المجاديف .. فتصور أن الزورق وصل إلى الشاطىء .. وفتح عينيه فإذا بالزورق لايزال فى وسط الماء .. ولمح فى يد الصياد شيئا غريبا .. مسدسا كبيرا من طراز إيطالى قديم .. وكان يعده للحركة الأخيرة .. ضغط الزناد .. وقد انشغل به .. فتأمله إسماعيل فى صمت وتوجس من الرجل شــرا .. مسـدس كهذا فى يده لماذا ؟ .. إنه لا ينفع فى الحرب ..

وأحس بالخوف وبالعرق على جبينه وبازدياد ضربات قلبه ..

ولكنه تمالك نفسه سريعا ووضع يده على مسدسه وأصبعه على الزناد .. وأخرجه من جيبه ، وفى اللحظة التى كان فيها الصـياد يمد يده ويصوب إلى رأس إسماعيل وهو نائم ، تحرك إسماعيل سريعا وأطلق النار .

وضاعت الطلقتان فى دوى المدافع ووهج النيران ..

***

وأحس إسماعيل بالدم يلطخ ثيابه ، وأدرك أن الرصاصة أصابت كتفه وخرجت من جسمه واستقرت فى قاع الزورق .. وحدق فى وجه الصياد وجس نبضه فتبين له أنه مات ..

وظل يبحث فى بطن الزورق حتى وجد قطعة حديد رفع بها قطعة الخشب التى تغطى الصندوق .. وكسر القفل وفتح الصندوق .. فوجده ممتلئا بالنقود والحلى ووجد سلسلة " أمينة " الذهبية ومصحفها ، فارتجف قلبه وارتعد ، وكان الزورق ساكنا فى وسط الماء ، فتناول إسماعيل المجدافين .. وأخـذ يجـدف طوال اللـيل متجها إلى "بور توفيق" ..

أدرك وهو ينظر إلى الشواطىء البعيدة أن الصياد كان يغرر به ويتجه إلى الجنوب .

ولما بلغ شاطىء " بور توفيق " ترك المجدافين وحمل فى يده حقيبة " أمينة " وكل الجواهر والنقود التى وجدها فى الصندوق ، وخرج من الزورق بعد أن دفعه برجله إلى عرض الماء ..

***

وعندما صعد إلى شارع القناة ، كان الظلام لا يزال يخيم ، والمدينة ساكنة ، بعد أن توقف الضرب ووجد أمينة جالسة تحـت الشـجر وحدها تنتظره ، وكانت حزينة وجائعة ونعسانة ..

ولما رأته استردت روحها وجرت إليه وارتمت على صدره ..

=================================


نشرت القصة بمجلة الهلال فى 9|9|1972 واعيد نشرها فى كتاب " الظرف المغلق " " وفى كتاب " قصص من القنال " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006

=================================